كَانَ الْهَوَاءُ سَاخِنًا جِدًّا، وَالرِّمَالُ تَطِيرُ مَعَ كُلِّ نَسْمَةِ رِيحٍ تَضْرِبُ جُدْرَانَ الْمَقْهَى الصَّغِيرِ. هَذَا الْمَقْهَى يَقَعُ فِي مَكَانٍ مَعْزُولٍ تَمَامًا، عَلَى طَرِيقٍ طَوِيلٍ يَرْبِطُ بَيْنَ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ. فِي الدَّاخِلِ، كَانَتْ لَيْلَى تَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ قَدِيمٍ. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الطَّاوِلَةِ بِشُرُودٍ كَبِيرٍ. لَيْلَى لَمْ تَكُنْ نَائِمَةً، لَكِنَّ عَقْلَهَا كَانَ مَشْغُولًا بِحَيَاتِهَا الَّتِي انْهَارَتْ فَجْأَةً. قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، كَانَتْ لَيْلَى تَمْلِكُ شَرِكَاتٍ وَأَمْوَالًا لَا تُعَدُّ، لَكِنَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً خَاسِرَةً جَعَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ يَخْتَفِي مِثْلَ السَّرَابِ.
دَخَلَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ إِلَى الصَّالَةِ وَهِيَ تَحْمِلُ قَدَحًا مِنَ الْقَهْوَةِ وَسَانْدَوِيتْشًا بَسِيطًا. وَضَعَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ الطَّعَامَ أَمَامَ لَيْلَى بِرِفْقٍ. نَظَرَتْ لَيْلَى إِلَى الطَّعَامِ، ثُمَّ فَتَحَتْ حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ. كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ نُقُودٍ، لَكِنَّ يَدَهَا ارْتَجَفَتْ. لَقَدْ وَجَدَتْ فَقَطْ بَعْضَ الْعُمُلَاتِ الْمَعْدَنِيَّةِ الْقَلِيلَةِ. حَسَبَتْ لَيْلَى الْمَبْلَغَ فِي سِرِّهَا، وَأَدْرَكَتْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِدَفْعِ ثَمَنِ هَذِهِ الْوَجْبَةِ الْبَسِيطَةِ.
شَعَرَتْ لَيْلَى بِخَجَلٍ شَدِيدٍ. هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُطْعِمُ الْمِئَاتِ، الْآنَ لَا تَمْلِكُ ثَمَنَ رَغِيفِ خُبْزٍ. نَادَتْ لَيْلَى عَلَى النَّادِلَةِ مَرْيَمَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. قَالَتْ لَيْلَى وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا، أَنَا أَسِفَةٌ جِدًّا يَا ابْنَتِي. ظَنَنْتُ أَنَّ مَعِي مَالًا كَافِيًا، لَكِنَّنِي أَخْطَأْتُ. أَرْجُوكِ خُذِي هَذَا الطَّعَامَ وَأَعِيدِيهِ إِلَى الْمَطْبَخِ، فَقَدْ نَسِيتُ أَنَّ حَقِيبَتِي فَارِغَةٌ.
تَوَقَّفَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ عَنِ الْمَشْيِ. نَظَرَتْ إِلَى وَجْهِ لَيْلَى وَرَأَتْ فِيهِ انْكِسَارًا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ. لَمْ تَتَكَلَّمْ مَرْيَمُ كَثِيرًا. مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى جَيْبِ مِئْزَرِهَا الْقَدِيمِ، وَأَخْرَجَتْ مَبْلَغًا صَغِيرًا مِنَ الْمَالِ. كَانَ هَذَا الْمَالُ هُوَ كُلُّ مَا جَمَعَتْهُ مَرْيَمُ مِنْ بَقْشِيشٍ طِوَالَ الْيَوْمِ. وَضَعَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ الْمَالَ فِي صُنْدُوقِ الْحِسَابِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى لَيْلَى وَابْتَسَمَتْ.
قَالَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ، لَا تَقْلَقِي يَا سَيِّدَتِي. الْحِسَابُ مَدْفُوعٌ بِالْكَامِلِ. كُلِي طَعَامَكِ بِهُدُوءٍ، فَالطَّرِيقُ أَمَامَكِ طَوِيلٌ وَالْحَرُّ شَدِيدٌ. انْصَدَمَتْ لَيْلَى مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ. سَأَلَتْ لَيْلَى بِتَعَجُّبٍ، لِمَاذَا فَعَلْتِ هَذَا؟ أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَنِي، وَيَبْدُو أَنَّكِ بِحَاجَةٍ لِهَذَا الْمَالِ أَكْثَرَ مِنِّي. رَدَّتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ بِبَسَاطَةٍ، جَدَّتِي كَانَتْ تَقُولُ دَائِمًا إِنَّ الْخَيْرَ دَيْنٌ، وَيَوْمًا مَا سَيَعُودُ لِصَاحِبِهِ. أَنَا لَا أُرِيدُ شَيْئًا، فَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونِي بِخَيْرٍ.
أَكَلَتْ لَيْلَى طَعَامَهَا وَهِيَ تَبْكِي بَصَمْتٍ. كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ هِيَ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ فِي حَيَاتِهَا. خَرَجَتْ لَيْلَى مِنَ الْمَقْهَى وَهِيَ تَعِدُ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا سَتَعُودُ يَوْمًا مَا. وَبِالْفِعْلِ، بَدَأَتْ لَيْلَى رِحْلَةً شَاقَّةً. عَمِلَتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَبَدَأَتْ مِنْ صِفْرٍ. كَانَتْ تَتَذَكَّرُ وَجْهَ النَّادِلَةِ مَرْيَمَ كُلَّمَا شَعَرَتْ بِالتَّعَبِ.
مَرَّتْ عَشْرُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ. أَصْبَحَتْ لَيْلَى الْآنَ مَلِيُونِيرَةً مَرَّةً أُخْرَى، بَلْ وَأَكْثَرَ ثَرَاءً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ. لَكِنَّ قَلْبَهَا لَمْ يَنْسَ ذَلِكَ الْمَقْهَى الصَّحْرَاوِيَّ. رَكِبَتْ لَيْلَى سَيَّارَتَهَا الْفَاخِرَةَ وَتَوَجَّهَتْ إِلَى ذَلِكَ الطَّريقِ بَعِيدًا عَنِ الْمَدِينَةِ. كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَجِدَ مَرْيَمَ وَتُغَيِّرَ حَيَاتَهَا لِلأَبَدِ.
عِنْدَمَا وَصَلَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى إِلَى الْمَكَانِ، وَجَدَتِ الْمَقْهَى لَكِنَّهُ كَانَ قَدِيِمًا جِدًّا وَشِبْهَ مَهْجُورٍ. دَخَلَتْ لَيْلَى وَسَأَلَتِ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ الَّذِي يَقِفُ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ، أَيْنَ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ هُنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ؟ نَظَرَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ إِلَى لَيْلَى بِحُزْنٍ وَقَالَ، مَرْيَمُ لَمْ تَعُدْ هُنَا. لَقَدْ حَدَثَتْ لَهَا مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ قَبْلَ سَنَةٍ.
ارْتَجَفَ قَلْبُ لَيْلَى. سَأَلَتْ بِخَوْفٍ، مَاذَا حَدَثَ لَهَا؟ أَخْبِرْنِي أَرْجُوكَ. قَالَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، مَرْيَمُ كَانَتْ تَعِيشُ مَعَ طِفْلَتِهَا الْوَحِيدَةِ، وَفِي لَيْلَةٍ عَاصِفَةٍ، انْهَارَ مَنْزِلُهُمَا الْبَسِيطُ بِسَبَبِ السِّيُولِ. مَرْيَمُ خَسِرَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى عَمَلَهَا هُنَا اضْطُرَّتْ لِتَرْكِهِ لِتَبْحَثَ عَنْ طَرِيقَةٍ لِعِلَاجِ ابْنَتِهَا الَّتِي أُصِيبَتْ فِي ذَلِكَ الْحَادِثِ.
شَعَرَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى بِأَلَمٍ عَصِيفٍ. قَالَتْ فِي نَفْسِهَا، لَقَدْ تَأَخَّرْتُ كَثِيرًا. بَدَأَتْ لَيْلَى رِحْلَةَ بَحْثٍ جَدِيدَةٍ فِي الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ. كَانَتْ تَسْأَلُ عَنْ نَادِلَةٍ تُدْعَى مَرْيَمَ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ كَانَ يَهُّزُ رَأْسَهُ بِالنَّفْيِ. بَعْضُ النَّاسِ قَالُوا إِنَّهَا رَحَلَتْ لِلْعَمَلِ فِي الْمَزَارِعِ الْبَعِيدَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِنَّهَا اخْتَفَتْ تَمَامًا.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لَيْلَى تَقُودُ سَيَّارَتَهَا وَسَطَ الْجِبَالِ، رَأَتْ مَرْأَةً تَحْمِلُ حَطَبًا ثَقِيلًا عَلَى ظَهْرِهَا. كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمْشِي بِصُعُوبَةٍ. تَوَقَّفَتْ لَيْلَى وَنَزَلَتْ مِنَ السَّيَّارَةِ. مَشَتْ نَحْوَ الْمَرْأَةِ، وَعِنْدَمَا رَفَعَتِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، تَوَقَّفَ الزَّمَنُ. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ مَرْيَمُ، لَكِنَّ التَّعَبَ غَيَّرَ مَلَامِحَهَا كَثِيرًا.
اقْتَرَبَتْ لَيْلَى مِنْهَا وَسَأَلَتْ بِصَوْتٍ مُهْتَزٍّ، هَلْ أَنْتِ مَرْيَمُ؟ نَظَرَتْ مَرْيَمُ إِلَى هَذِهِ السَّيِّدَةِ الرَّاقِيَةِ بِاسْتِغْرَابٍ وَقَالَتْ، نَعَمْ أَنَا مَرْيَمُ، مَنْ أَنْتِ يَا سَيِّدَتِي؟ لَمْ تَسْتَطِعْ لَيْلَى حَبْسَ دُمُوعِهَا. قَالَتْ لَيْلَى، أَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَعْطَيْتِهَا بَقِيَّةَ مَالِكِ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ فِي ذَلِكَ الْمَقْهَى الصَّغِيرِ. أَنَا الَّتِي كُنْتُ جَائِعَةً وَحَزِينَةً، وَأَنْتِ أَنْقَذْتِ كَرَامَتِي.
سَقَطَ الْحَطَبُ مِنْ يَدِ مَرْيَمَ. بَدَأَتْ تَرْتَجِفُ وَهِيَ تَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَتْ مَرْيَمُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ، لَقَدْ مَرَّ زَمَنٌ طَوِيلٌ جِدًّا. كَيْفَ وَجَدْتِنِي؟ قَالَتْ لَيْلَى، لَقَدْ بَحَثْتُ عَنْكِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. أُرِيدُ أَنْ أَرُدَّ لَكِ الْجَمِيلَ. لَكِنَّ مَرْيَمَ نَظَرَتْ لِلأَرْضِ وَقَالَتْ، الْآنَ لَا يَنْفَعُ الْمَالُ يَا سَيِّدَتِي. ابْنَتِي صَغِيرَةٌ وَهِيَ مَرِيضَةٌ جِدًّا، وَأَنَا لَا أَحْتَاجُ إِلَّا لِمُعْجِزَةٍ لِتَعِيشَ.
أَخَذَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى نَفَسًا عَمِيقًا، وَنَظَرَتْ إِلَى مَرْيَمَ الَّتِي كَانَتْ تَبْدُو مُنْكَسِرَةً لِلْغَايَةِ. قَالَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى، خُذِينِي إِلَى مَنْزِلِكِ يَا مَرْيَمُ، أُرِيدُ رُؤْيَةَ ابْنَتِكِ فَوْرًا. مَشَتْ مَرْيَمُ أَمَامَ لَيْلَى حَتَّى وَصَلَتَا إِلَى كُوخٍ صَغِيرٍ مَبْنِيٍّ مِنَ الطِّينِ وَالْخَشَبِ بَيْنَ الصُّخُورِ. عِنْدَمَا دَخَلَتْ لَيْلَى، وَجَدَتْ طِفْلَةً صَغِيرَةً تَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ بَسِيطٍ جِدًّا. كَانَ وَجْهُ الطِّفْلَةِ شَاحِبًا، وَتَنَفُّسُهَا مَسْمُوعًا بِصُعُوبَةٍ.
سَأَلَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى بِحُزْنٍ، مَا اسْمُ هَذِهِ الصَّغِيرَةِ؟ رَدَّتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهَا، اسْمُهَا أَمَلُ. لَقَدْ وُلِدَتْ بَعْدَ أَنْ غَادَرْتِ أَنْتِ الْمَقْهَى بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي مَرَضِهَا، بَلْ فِي الظُّلْمِ الَّذِي تَعَرَّضْنَا لَهُ. قَالَتْ لَيْلَى بِتَعَجُّبٍ، ظُلْمٌ؟ مَنْ الَّذِي ظَلَمَكِ يَا مَرْيَمُ وَأَنْتِ هَكَذَا فِي حَالِ سَبِيلِكِ؟
تَرَدَّدَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ فِي الْكَلامِ، لَكِنَّهَا قَرَّرَتْ أَنْ تَحْكِيَ السِّرَّ. قَالَتْ مَرْيَمُ، هُنَاكَ رَجُلٌ ثَرِيٌّ يَمْلِكُ مُعْظَمَ هَذِهِ الأَرَاضِي، يُدْعَى جَابِرُ. هَذَا الرَّجُلُ كَانَ يُرِيدُ شِرَاءَ الْمَقْهَى الْقَدِيمِ لِيَهْدِمَهُ، وَعِنْدَمَا رَفَضْتُ أَنْ أَكُونَ شَاهِدَةً زُورًا ضِدَّ صَاحِبِ الْمَقْهَى، قَرَّرَ جَابِرُ انْتِقَامًا مِنِّي أَنْ يَمْنَعَ عَنِّي أَيَّ عَمَلٍ. كُلَّمَا ذَهَبْتُ لِمَكَانٍ لِأَعْمَلَ فِيهِ، كَانَ يُرْسِلُ رِجَالَهُ لِيُخِيفُوا أَصْحَابَ الْعَمَلِ. حَتَّى الطَّبِيبُ الْوَحِيدُ فِي الْقَرْيَةِ، مَنَعَهُ جَابِرُ مِنْ زِيَارَةِ ابْنَتِي أَمَلَ، لِأَنَّنِي لَمْ أَخْضَعْ لِجَبَرُوتِهِ.
غَضِبَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى غَضَبًا شَدِيدًا. قَالَتْ لَيْلَى بِحَزْمٍ، لَا تَخَافِي بَعْدَ الْيَوْمِ يَا مَرْيَمُ. أَنَا هُنَا الْآنَ. سَنَنْقُلُ أَمَلَ إِلَى أَفْضَلِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ فِي الْمَدِينَةِ فَوْرًا. لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ صَوْتُ سَيَّارَاتٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْكُوخِ. نَظَرَتْ مَرْيَمُ مِنَ النَّافِذَةِ وَصَرَخَتْ، لَقَدْ جَاءَ جَابِرُ وَرِجَالُهُ! إِنَّهُمْ يُرَاقِبُونَنِي دَائِمًا، وَلَا بُدَّ أَنَّهُمْ رَأَوْا سَيَّارَتَكِ الْفَاخِرَةَ.
دَخَلَ رَجُلٌ ضَخْمٌ يَرْتَدِي عَبَاءَةً ثَقِيلَةً، وَخَلْفَهُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ. كَانَ هُوَ جَابِرُ. نَظَرَ جَابِرُ إِلَى لَيْلَى بِاحْتِقَارٍ وَقَالَ، مَنْ هَذِهِ الَّتِي تَجْرُؤُ عَلَى دُخُولِ أَمْلاكِي دُونَ إِذْنٍ؟ هَلْ جِئْتِ لِتُسَاعِدِي هَذِهِ الْفَقِيرَةَ؟ نَحْنُ هُنَا نَضَعُ الْقَوَانِينَ، وَمَنْ يَقِفُ ضِدِّي يَخْسَرُ كُلَّ شَيْءٍ.
قَامَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى بِكُلِّ هُدُوءٍ. وَقَفَتْ أَمَامَ جَابِرَ وَقَالَتْ، الْقَوَانِينُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهَا لَا تَسْرِي إِلَّا عَلَى الضُّعَفَاءِ. أَنَا لَيْلَى، وَرُبَّمَا لَمْ تَسْمَعْ عَنِّي، لَكِنَّنِي سَأَجْعَلُكَ تَنْدَمُ عَلَى كُلِّ لَحْظَةِ أَلَمٍ سَبَّبْتَهَا لِهَذِهِ الأُمِّ وَطِفْلَتِهَا. ضَحِكَ جَابِرُ بِسُخْرِيَةٍ وَقَالَ، الْمَالُ لَا يَنْفَعُكِ هُنَا، فَنَحْنُ فِي وَسَطِ الصَّحْرَاءِ، وَكَلِمَتِي هِيَ السَّيْفُ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، صَرَخَتِ الطِّفْلَةُ أَمَلُ مِنَ الأَلَمِ. رَكَضَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ نَحْوَهَا وَهِيَ تَبْكِي. نَظَرَتْ لَيْلَى إِلَى الطِّفْلَةِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى جَابِرَ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ كَالرَّعْدِ، اذْهَبْ مِنْ هُنَا الْآنَ قَبْلَ أَنْ أَسْحَقَ كُلَّ مَا تَمْلِكُ بِنُفُوذِي. لَمْ يَهْتَمَّ جَابِرُ، بَلْ أَمَرَ رِجَالَهُ بِمَنْعِ أَيِّ شَخْصٍ مِنْ مُغَادَرَةِ الْكُوخِ.
قَالَ جَابِرُ، سَتَبْقَوْنَ هُنَا حَتَّى تُوَقِّعَ مَرْيَمُ عَلَى التَّنَازُلِ عَنْ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ الْمَقْهَى الَّتِي وَرِثَتْهَا عَنْ صَاحِبِ الْمَقْهَى بَعْدَ وَفَاتِهِ. صُدِمَتْ لَيْلَى، فَقَدْ كَانَتْ مَرْيَمُ هِيَ الْمَالِكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْمَكَانِ الَّذِي شَهِدَ قِصَّتَهُمَا، وَلِهَذَا كَانَ جَابِرُ يُطَارِدُهَا.
قَالَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ وَهِيَ تَنْحَبُ، خُذِ الأَرْضَ، خُذْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَطْ دَعْنِي أُنْقِذُ ابْنَتِي! لَكِنَّ لَيْلَى أَمْسَكَتْ يَدَ مَرْيَمَ وَقَالَتْ، لَنْ تَتَنَازَلِي عَنْ شَيْءٍ. أَنَا مَعِي هَاتِفِي، وَلَقَدْ أَرْسَلْتُ مَوْقِعَنَا لِفَرِيقِ حِمَايَتِي وَلِطَائِرَةٍ طِبِّيَّةٍ خَاصَّةٍ. سَيَصِلُونَ خِلَالَ دَقَائِقَ.
تَغَيَّرَ وَجْهُ جَابِرَ قَلِيلًا، لَكِنَّهُ حَاوَلَ إِظْهَارَ الْقُوَّةِ. قَالَ جَابِرُ، لَنْ تَصِلَ أَيُّ طَائِرَةٍ إِلَى هُنَا فِي هَذَا الْجَوِّ. لَكِنْ فَجْأَةً، سُمِعَ صَوْتُ مَرَاوِحِ طَائِرَةٍ مِرْوَحِيَّةٍ تَقْتَرِبُ بِقُوَّةٍ، وَبَدَأَ الْغُبَارُ يَتَطَايَرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. نَزَلَ مِنَ الطَّائِرَةِ رِجَالٌ أَشِدَّاءُ، وَمَعَهُمْ طَاقَمٌ طِبِّيٌّ كَامِلٌ.
خَافَ جَابِرُ وَرِجَالُهُ وَتَرَاجَعُوا لِلْخَلْفِ. حَمَلَ الأَطِبَّاءُ الطِّفْلَةَ أَمَلَ بِسُرْعَةٍ إِلَى الطَّائِرَةِ. نَظَرَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى إِلَى جَابِرَ وَقَالَتْ، الْآنَ بَدَأَ حِسَابِي مَعَكَ. سَأَشْتَرِي كُلَّ دُيُونِكَ، وَسَأُغْلِقُ كُلَّ أَعْمَالِكَ، وَسَتَعْرِفُ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَعُدْ وَحِيدَةً.
رَكِبَتْ لَيْلَى وَمَرْيَمُ الطَّائِرَةَ مَعَ الطِّفْلَةِ أَمَلَ. وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَانَتْ مَرْيَمُ تَنْظُرُ إِلَى لَيْلَى بِذُهُولٍ. قَالَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ، لَا أُصَدِّقُ أَنَّكِ فَعَلْتِ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِي. لَقَدْ أَعْطَيْتُكِ مَبْلَغًا زَهِيدًا جِدًّا ذَلِكَ الْيَوْمَ. رَدَّتْ لَيْلَى، ذَلِكَ الْمَبْلَغُ الزَّهِيدُ كَانَ هُوَ حَيَاتِي كُلُّهَا. لَقَدْ أَعْطَيْتِنِي الأَمَلَ عِنْدَمَا كُنْتُ أَمُوتُ يَأْسًا.
بَعْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى الْمُسْتَشْفَى، دَخَلَتْ أَمَلُ إِلَى غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ. كَانَتْ مَرْيَمُ تَنْتَظِرُ فِي الْمَمَرِّ وَهِيَ تَرْتَجِفُ. اقْتَرَبَتْ مِنْهَا لَيْلَى وَضَمَّتْهَا. قَالَتْ لَيْلَى، سَتَكُونُ بِخَيْرٍ يَا مَرْيَمُ. ثُمَّ قَالَتْ مَرْيَمُ شَيْئًا صَدَمَ لَيْلَى تَمَامًا. قَالَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ، هُنَاكَ شَيْءٌ لَمْ أُخْبِرْكِ بِهِ بَعْدُ. صَاحِبُ الْمَقْهَى الَّذِي مَاتَ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، أَعْطَانِي رِسَالَةً مَوْصُوفَةً بِاسْمِكِ أَنْتِ يَا لَيْلَى.
فَتَحَتْ لَيْلَى عَيْنَيْهَا بِدَهْشَةٍ. سَأَلَتْ لَيْلَى، بِاسْمِي أَنَا؟ وَكَيْفَ عَرَفَ أَنَّنِي سَأَعُودُ؟ قَالَتْ مَرْيَمُ، لَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ وَالِدَكِ قَدِيمًا، وَقَالَ لِي إِنَّ يَوْمًا مَا سَتَأْتِي امْرَأَةٌ تَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهَا، وَيَجِبُ أَنْ أُسَاعِدَهَا. لَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ النُّقُودُ الَّتِي أَعْطَيْتُكِ إِيَّاهَا هِيَ وَصِيَّتُهُ لِي بِأَنْ لَا أَتْرُكَكِ تَرْحَلِينَ حَزِينَةً.
بَقِيَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى وَاقِفَةً فِي مَمَرِّ الْمُسْتَشْفَى، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى النَّادِلَةِ مَرْيَمَ بِذُهُولٍ شَدِيدٍ. كَانَتِ الرِّسَالَةُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْهَا مَرْيَمُ مَوْجُودَةً فِي حَقِيبَةٍ صَغِيرَةٍ قَدِيمَةٍ. مَدَّتْ مَرْيَمُ يَدَهَا وَأَعْطَتِ الرِّسَالَةَ إِلَى لَيْلَى. فَتَحَتْ لَيْلَى الْوَرَقَةَ بِيَدَيْنِ مَرْتَجِفَتَيْنِ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ كَلِمَاتِ صَاحِبِ الْمَقْهَى الرَّاحِلِ.
كَانَ مَكْتُوبًا فِي الرِّسَالَةِ: ابْنَتِي لَيْلَى، أَنَا صَدِيقُ وَالِدِكِ الْقَدِيمُ. لَقَدْ خَسِرَ وَالِدُكِ كُلَّ شَيْءٍ لِيَحْمِيَ هَذِهِ الأَرْضَ مِنَ الطَّمَاعِينَ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَنْتَظِرَكِ هُنَا. إِذَا كُنْتِ تَقْرَئِينَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّكِ عُدْتِ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمْتِ مَعْنَى الْحَاجَةِ. مَرْيَمُ الَّتِي سَاعَدَتْكِ هِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي تَرَكْتُهَا لَكِ، فَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْمَقْهَى تَحْتَوِي عَلَى كَنْزٍ مَدْفُونٍ مِنْ عُقُودٍ قَدِيمَةٍ وَأَوْرَاقٍ تُثْبِتُ مِلْكِيَّةَ عَائِلَتِكِ لِكُلِّ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ.
سَقَطَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْ لَيْلَى. نَظَرَتْ إِلَى النَّادِلَةِ مَرْيَمَ وَقَالَتْ، يَا مَرْيَمُ، أَنْتِ لَمْ تُعْطِينِي بَقِيَّةَ مَالِكِ فَقَطْ، أَنْتِ كُنْتِ تَحْمِينَ إِرْثِي وَتَارِيخَ عَائِلَتِي دُونَ أَنْ تَعْلَمِي. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، خَرَجَ الطَّبِيبُ مِنْ غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ طَفِيفَةٌ. قَالَ الطَّبِيبُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، الطِّفْلَةُ أَمَلُ تَجَاوَزَتِ الْمَرْحَلَةَ الْخَطِيرَةَ. لَقَدْ أَنْقَذْتُمُوهَا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَمَامًا.
ارْتَمَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ فِي حِضْنِ لَيْلَى وَهِيَ تَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. قَالَتْ مَرْيَمُ، شُكْرًا لَكِ يَا لَيْلَى، شُكْرًا لِأَنَّكِ لَمْ تَنْسَيْنِي. رَدَّتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى، هَذَا وَقْتُ الْعَمَلِ الْآنَ. لَنْ نَتْرُكَ جَابِرَ يَهْرُبُ بِمَا فَعَلَهُ.
خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، اسْتَخْدَمَتْ لَيْلَى كُلَّ نُفُوذِهَا وَأَمْوَالِهَا. أَحْضَرَتْ أَكْبَرَ الْمُحَامِينَ وَقَدَّمَتِ الأَوْرَاقَ الَّتِي كَانَتْ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى الْمَحْكَمَةِ. تَبَيَّنَ أَنَّ جَابِرَ كَانَ يُزَوِّرُ الأَوْرَاقَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى أَرَاضِي النَّاسِ الْبُسَطَاءِ. تَمَّ الْقَبْضُ عَلَى جَابِرَ وَرِجَالِهِ، وَأُعِيدَتِ الْحُقُوقُ إِلَى أَصْحَابِهَا.
قَرَّرَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى بِنَاءَ مَقْهًى جَدِيدٍ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ الصَّحْرَاوِيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَقْهًى. لَقَدْ بَنَتْ بِجَانِبِهِ مَسْكَنًا لِلْعَابِرِينَ وَمُسْتَشْفًى صَغِيرًا لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ. وَأَصْبَحَتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ هِيَ الْمُدِيرَةَ الْمَسْؤُولَةَ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْمَشَارِيعِ.
فِي يَوْمِ الافْتِتَاحِ، كَانَتِ الطِّفْلَةُ أَمَلُ تَرْكُضُ وَتَلْعَبُ وَهِيَ بِكَامِلِ صِحَّتِهَا. وَقَفَتْ لَيْلَى بِجَانِبِ مَرْيَمَ أَمَامَ بَابِ الْمَقْهَى. قَالَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى، هَلْ تَتَذَكَّرِينَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَا مَرْيَمُ؟ حِينَ وَضَعْتِ يَدَكِ فِي جَيْبِكِ لِتُعْطِينِي مَا تَمْلِكِينَ؟ رَدَّتِ النَّادِلَةُ مَرْيَمُ، نَعَمْ يَا سَيِّدَتِي، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الْعُمُلَاتِ الْبَسِيطَةَ سَتَفْتَحُ لِي أَبْوَابَ السَّمَاءِ.
قَالَتْ لَيْلَى، الْقِصَّةُ لَيْسَتْ فِي الْمَالِ، بَلْ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ. أَنْتِ أَعْطَيْتِنِي كَرَامَتِي عِنْدَمَا كُنْتُ لَا أَمْلِكُ شَيْئًا، وَأَنَا الْآنَ أُعْطِيكِ حَيَاتِي كُلَّهَا كَأُخْتٍ وَصَدِيقَةٍ. نَظَرَتِ الْمَلِيُونِيرَةُ لَيْلَى إِلَى السَّمَاءِ وَشَكَرَتِ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّهَايَةِ السَّعِيدَةِ.
لَقَدْ تَعَلَّمَ الْجَمِيعُ فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَضِيعُ أَبَدًا، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ يَعُودُ لِصَاحِبِهِ مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ. وَبَقِيَتْ قِصَّةُ الْمَلِيُونِيرَةِ وَالنَّادِلَةِ مَرْيَمَ تُحْكَى لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ الصَّحْرَاوِيِّ، كَدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ هِيَ الثَّرْوَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
وَهَكَذَا، تَحَوَّلَ ذَلِكَ الْمَقْهَى الصَّغِيرُ مِنْ مَكَانٍ لِلأَلَمِ وَالْجُوعِ إِلَى مَنَارَةٍ لِلأَمَلِ وَالْعَطَاءِ. وَعَاشَتْ مَرْيَمُ وَابْنَتُهَا أَمَلُ فِي أَمَانٍ وَرَخَاءٍ تَحْتَ رِعَايَةِ لَيْلَى، الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَهْتَمُّ بِجَمْعِ الأَمْوَالِ فَقَطْ، بَلْ بِجَمْعِ الْقُلُوبِ وَنَشْرِ السَّعَادَةِ.