شوية ونرجع لك

### الجزء الأول

صرخت حنان في وجه راعي الغنم وطردته تحت المطر والريح، وأقسمت أنه لن يقترب من أرضها مرة أخرى.

لكن مع شروق الشمس، كانت هي من تبحث عنه بين الناس… لا لتعاقبه، بل لتعتذر له.

ما الذي حدث بين الليل والصباح؟

فهل سيغفر لها الرجل الذي طردته، أم أن خطأها سيكلفها أكثر مما تتصور؟ تابعوا القصة لتكتشفوا الحقيقة كاملة…






كانت حنان أرملة شابة من صعيد مصر، تنتظر مولودها الأوّل بعد وفاة زوجها محمود قبل أشهر قليلة. منذ رحيله، تغيّر كل شيء في حياتها. لم تعد تلك المرأة الهادئة التي كانت تستند إلى رأي زوجها في الصغيرة قبل الكبيرة. أصبحت المسؤولة الوحيدة عن أرضٍ واسعة ومخازن قمح ومواشٍ وعمّال ينتظرون منها القرار.


كان خوفها مضاعفًا؛ خوف على الجنين الذي يتحرّك في أحشائها، وخوف على الميراث الذي سيحمله اسم والده. كانت تسمع همسات الأقارب، ترى نظرات الطامعين، وتشعر بأن كل خطوة تخطوها يجب أن تكون حاسمة وقاسية حتى لا يُحسب عليها ضعف.


في طرف الأرض القريب من أطراف القرية، كان يعيش يونس، راعي الغنم الذي يعمل منذ سنوات طويلة في رعي مواشي العائلة. لم يكن يملك أرضًا، ولا عائلة كبيرة تسنده. يعرف تفاصيل المكان أكثر من أي عامل آخر، ويعرف مواسم الرياح ومواعيد السيول. كان صامتًا أغلب الوقت، يؤدي عمله دون جدال.


بعد وفاة محمود، حاول يونس أن يخفف العبء عن حنان، فتقدّم أكثر من مرة ليخبرها بملاحظات عن المخازن وسقف الحظائر. لكنها كانت تسمع بنصف أذن، ثم تصرفه بعبارة مقتضبة. كانت ترى في كل نصيحة احتمال تدخلٍ في شؤونها.


تلك الليلة كان الشتاء في أشدّه. الريح تعصف بقوة غير معتادة، وأصوات الأبواب ترتطم ببعضها. خرج بعض العمّال يتفقدون المخازن، ثم عادوا مسرعين يخبرون حنان بأنهم شاهدوا يونس قرب مخزن الحبوب يحمل قطع خشب.


اشتعل قلبها قبل عقلها. فكرة واحدة سيطرت عليها: السرقة. تصوّرت أن الرجل الذي يعمل عندها منذ سنوات ربما استغل ضعفها وانشغالها، وربما ظنّ أنها وحدها ولن تستطيع المحاسبة.


خرجت بنفسها إلى هناك، والعمال خلفها. اقتربت من المخزن، فرأت يونس ينحني تحت الريح، يثبت قطع الخشب عند الباب. لم تنتظر تفسيرًا. صاحت باسمه بصوتٍ غاضب سمعه كل من في الساحة.


سألته ماذا يفعل في هذا الوقت المتأخر. حاول أن يشرح أن الريح شديدة وأن باب المخزن لم يعد يحتمل الضغط، وأن السقف يصدر صوتًا مقلقًا. لكنها قاطعته. اتهمته صراحة بمحاولة سرقة الحبوب، وذكّرته بأنه مجرد عامل يعيش من أجر يومي.


اجتمع العمال حولهما. بعضهم نظر إلى الأرض، وبعضهم تبادل نظرات قلقة. يونس وقف صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء إنه لم يدخل المخزن، وأنه اشترى الخشب من السوق قبل يومين بعدما لاحظ ضعف الباب. قال إنه خاف أن ينهار جزء من السقف بفعل العاصفة.


لكن حنان لم تكن تسمع. كانت ترى المشهد كله بعين الخوف لا بعين العقل. أمرته أن يبتعد فورًا عن المخزن وأن يغادر الأرض حتى إشعار آخر. قالت أمام الجميع إنه لا مكان لخائن بين عمّالها. كان صوتها قاسيًا، حاسمًا، لا يقبل نقاشًا.


حاول كبير العمال، عبد الرحيم، أن يطلب منها التريّث. ذكرها بأن يونس لم يُعرف عنه سوء. لكنها نظرت إليه بحدة، فصمت. لم تكن تسمح في تلك الفترة بأي اعتراض.


انحنى يونس قليلًا، وضع قطع الخشب جانبًا، ثم قال إنه لم يسرق شيئًا ولن يسرق. لم يرفع صوته، ولم يدافع عن نفسه أكثر من ذلك. جمع أدواته البسيطة وسار مبتعدًا في الظلام، والريح تضرب الأرض بقوة.


بقيت حنان واقفة للحظات، تشعر بشيء يشبه النصر. أقنعت نفسها بأنها حمت ميراث طفلها. أقنعت نفسها بأنها قطعت الطريق على أي محاولة استغلال.


لكن مع مرور الليل، لم تهدأ الأصوات. ظلّت الريح تضرب السقف بعنف، وصار صوت احتكاك الخشب أعلى. حاولت حنان أن تنام، لكنها ظلت تتقلّب في فراشها، ويدها فوق بطنها. كانت تتخيّل الحبوب تضيع، والديون تتراكم، والناس يتحدثون عن ضعفها.


مع اقتراب الفجر، ساد هدوء نسبي. خفّت الريح قليلًا. قامت حنان باكرًا، وطلبت من عبد الرحيم أن يتفقد المخزن مرة أخرى. ذهب الرجل مسرعًا، ثم لم تمضِ دقائق حتى عاد وملامحه متوترة.


قال لها إن الباب انحنى بقوة، وإن أحد الأعمدة الداخلية تشقّق. لو استمرت العاصفة أكثر بقليل، لانهار جزء من السقف. وأشار إلى قطع الخشب التي وضعها يونس قائلًا إنها كانت مثبتة بطريقة مدروسة، كأنها محاولة دعم مؤقت.


شعرت حنان ببرودة تسري في أطرافها. لم تكن تتوقع هذا. ذهبت بنفسها إلى المخزن. رأت آثار التثبيت، ولمحت التشقّق في العمود. أدركت فجأة أن الرجل ربما كان صادقًا.


سألت عبد الرحيم إن كان أحد دخل المخزن أو نقص شيء من الحبوب. أجابها بالنفي. كل شيء في مكانه.


في تلك اللحظة، بدأ الشك يتسلل إلى يقينها. إذا لم يكن يونس يحاول السرقة، فلماذا كان هناك؟ ولماذا اشترى الخشب من ماله الخاص كما قال؟


لم تجبها الريح التي هدأت، ولا الباب الذي بقي صامدًا بصعوبة. لكن شيئًا آخر بدأ يثقل صدرها؛ إحساس ثقيل بالخطأ.


وقفت وسط العمال، والناس يتجمعون بعد أن سمعوا بما حدث ليلًا. نظرت إلى الوجوه التي كانت بالأمس تهاب صوتها، وشعرت لأول مرة بأن الأرض نفسها تسألها: ماذا فعلتِ؟


كان صباحًا جديدًا قد بدأ، لكن داخلها كان ليلٌ أطول يتشكّل، ليلٌ قد يغيّر نظرتها لكل ما ظنته حماية، ولكل من ظنته خطرًا.





### الجزء الثاني


لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا في أرض حنان.

كانت تقف أمام المخزن، وأصوات العمال تتداخل، بينما الحقيقة تنكشف أمامها ببطءٍ موجع.

كيف أخطأت بهذا الشكل، وهي التي أقسمت أن لا تخطئ في حق أحد بعد وفاة محمود؟


تقدّم عبد الرحيم بخطوات مترددة، وأشار إلى العمود المتشقق داخل المخزن. قال إن العاصفة لو استمرت ساعة إضافية فقط، لسقط السقف على أكياس القمح، وربما أتلف نصف المخزون. وأكّد أن قطع الخشب التي وضعها يونس منعت الباب من الانفتاح الكامل تحت ضغط الريح.


تجمّع بعض رجال القرية الذين سمعوا بما حدث ليلًا. لم يكن الخبر خافيًا؛ فالقرى الصغيرة لا تخفي شيئًا. همسات تدور حول حنان، ونظرات تساؤل تتبادل بين الحاضرين.


شعرت حنان بأن الكلمات التي قالتها ليلًا تعود الآن كصدى ثقيل في أذنها. تذكّرت كيف نادته بالخائن أمام الجميع، وكيف أمرته بالمغادرة دون أن تمنحه فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه.


سألت عبد الرحيم بصوت منخفض إن كان يعرف أين ذهب يونس. أجاب بأنه رآه يسير باتجاه أطراف القرية، نحو بيتٍ صغير يسكنه منذ سنوات. لم يحمل معه سوى أدواته المعتادة.


ترددت لحظة. كبرياؤها كان يحاول أن يقف حاجزًا بينها وبين الاعتراف. لكنها نظرت إلى التشقق مرة أخرى، ثم وضعت يدها على بطنها. شعرت بحركة الجنين، وكأنها رسالة صامتة تذكّرها بالعدل الذي تريد أن تربيه عليه.


قالت لعبد الرحيم أن يجمع العمال في الساحة. تعجّب الرجل، لكنه نفّذ الأمر. خلال دقائق، وقف الجميع أمام المخزن. وجوه تعرفها منذ سنوات، وأخرى تعمل موسميًا، لكنها جميعًا تنتظر كلمتها.


تقدّمت حنان خطوة إلى الأمام. شعرت بأن الكلمات ثقيلة، لكنها خرجت في النهاية. قالت إنها تسرّعت ليلًا، وإنها لم تتحقق مما حدث قبل أن تحكم. قالت إن ما رآه عبد الرحيم هذا الصباح يثبت أن يونس لم يكن يحاول السرقة، بل كان يحاول حماية المخزن.


ساد صمت قصير، ثم همهمة خفيفة بين الحاضرين. لم يعتادوا سماع مثل هذا الاعتراف منها منذ وفاة محمود. كانت دائمًا حازمة، حاسمة، لا تعود عن قرار.


رفعت رأسها قليلًا، وقالت أمام الجميع إنها أخطأت في حق يونس، وإنها ستذهب بنفسها لتعتذر له. كان القرار صعبًا، لكن الإحساس بالخطأ كان أقسى.


تحرّكت بخطوات ثابتة نحو أطراف الأرض، يتبعها بعض العمال بدافع الفضول، ومنهم عبد الرحيم. في الطريق، كانت أفكارها تتصارع. ماذا لو رفض سماعها؟ ماذا لو غادر القرية بالفعل؟ ماذا لو حمل في قلبه مرارة لن تزول؟


وصلت إلى البيت الصغير الذي يسكنه يونس. الباب كان مغلقًا، لكن الدخان الخفيف يتصاعد من الداخل. طرقت الباب بيدٍ مترددة. فتح يونس بعد لحظات، وبدت على وجهه علامات تعب الليل.


تلاقت أعينهما لحظة صامتة. لم يتحدث هو أولًا، ولم تعرف هي كيف تبدأ. خلفها وقف بعض الرجال على مسافة، يراقبون.


قالت حنان بصوتٍ مسموع أمام من حضر إنها جاءت لتعتذر. اعترفت بأنها ظلمته واتهمته دون دليل. وقالت إن ما فعله لحماية المخزن كان تصرفًا نبيلًا، وإنها لم تقدّر ذلك.


لم تكن الكلمات سهلة عليها، لكنها خرجت واضحة. لم تخفض صوتها، ولم تحاول تبرير ما فعلت. فقط أقرت بالخطأ.


نظر يونس إليها طويلًا، ثم قال بهدوء إنه لم يغضب لنفسه بقدر ما حزن لأن الثقة التي كانت بينه وبين محمود لم تعد موجودة. ذكر اسم محمود للمرة الأولى منذ بداية الحديث، فشعرت حنان بوخزة في قلبها.


قال إنه عمل في الأرض سنوات لأنه كان يشعر أنها أمانة، وإنه لم يفكر يومًا في أخذ شيء ليس له. وأضاف أنه كان يخشى على المخزن لأن انهياره كان سيضر الجميع، لا هي وحدها.


انخفض صوت حنان أكثر. قالت إنها كانت خائفة، وإن الخوف جعلها ترى الخطر في كل شخص. لم تحاول أن تخفي ضعفها هذه المرة.


تبادل الحاضرون نظرات مختلفة؛ بعضهم شعر بالتأثر، وبعضهم بالدهشة من الموقف كله. في قرية اعتادت أن ترى القوة في الصمت، كان هذا المشهد جديدًا.


سألته إن كان مستعدًا للعودة إلى عمله، وإن كانت اعتذارها يكفي. صمت يونس لحظة، ثم قال إنه لا يحمل في قلبه ضغينة. قال إنه سامحها، لكن الثقة تحتاج وقتًا لتعود.


لم يكن في صوته تحدٍّ ولا شماتة. فقط هدوء رجل اعتاد أن يتحمل أكثر مما يتكلم.


شعرت حنان بشيء ينكسر داخلها، ليس انكسار ضعف، بل انكسار غرور. أدركت أن السلطة التي ظنتها تحميها قد عزلتها عن الحقيقة.


عاد الجميع إلى الأرض. بدأ العمال في تدعيم المخزن بإشراف عبد الرحيم، بينما انضم يونس إليهم دون ضجيج، كأنه لم يُطرد ليلًا.


لكن داخل حنان، لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد. كانت تشعر بأن هناك شيئًا أعمق مما حدث. تذكّرت نظرة يونس حين ذكر محمود، وكأن بينهما قصة لم تعرفها.


مع اقتراب الظهيرة، وصل رجل غريب إلى مدخل الأرض، يسأل عن حنان. كان يحمل حقيبة أوراق، ويبدو أنه قادم من المدينة. أخبر عبد الرحيم أنه محامٍ قديم كان يتعامل مع محمود، وأن لديه أمرًا مهمًا يتعلق بأملاك العائلة.


نُقل الخبر إلى حنان وهي تتابع العمل قرب المخزن. شعرت بانقباض خفيف. لم تكن تتوقع زوارًا في مثل هذا اليوم.


طلبت أن يُدخل الرجل إلى البيت. جلست أمامه، وما زالت آثار الصباح عالقة في صدرها. لم تكن تعلم أن الكلمات التي ستسمعها بعد دقائق ستجعل ما حدث ليلًا يبدو مجرد بداية لحقيقة أكبر بكثير.


وقبل أن يبدأ الرجل حديثه، كان اسم يونس يتردد في ذهنها مرة أخرى، لكن هذه المرة لا بوصفه عاملًا أخطأت في حقه، بل بوصفه جزءًا من سرٍّ لم تُكشف خيوطه بعد.





### الجزء الثالث


دخل المحامي سالم إلى بيت حنان بخطواتٍ هادئة، يحمل حقيبةً قديمةً امتلأت بالأوراق.

لم يكن وجهه يحمل ملامح المفاجأة، بل ملامح رجلٍ يعرف ثقل ما سيقوله.

أما حنان، فكانت ما تزال تحت أثر ما حدث صباحًا، غير مدركة أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.


جلس سالم أمامها، وبدأ حديثه بعبارات تعزية متأخرة في وفاة محمود. قال إنه كان على تواصل معه قبل رحيله بأشهر، وإن بعض الأمور لم تُستكمل آنذاك بسبب تدهور حالته الصحية المفاجئ.


توترت يد حنان فوق الطاولة. لم يكن هناك شيء تخشاه أكثر من الأوراق والقوانين في هذه المرحلة. كانت تمسك بالأرض بقوة، كأنها تخاف أن تنزلق منها.


أخرج سالم ملفًا متوسط الحجم، ووضعه أمامها. قال بهدوء إن محمود كتب وصية إضافية لم تكن مُعلنة، ولم تُسجَّل رسميًا بعد، لأنه طلب تأجيل توثيقها حتى يستقر وضع بعض التفاصيل. لكن النسخة الموقعة بيده محفوظة عنده، ومعها شهود.


اتسعت عينا حنان. لم يخبرها محمود قط بوجود وصية أخرى غير التي تضمنّت تقسيمًا عامًا معتادًا بين الورثة.


فتح سالم الملف، وقرأ بصوت متزن. جاء في الوصية أن يمنح محمود قطعةً محددةً من الأرض الزراعية إلى يونس، راعي الغنم، مكافأةً له على موقفٍ حدث قبل سنوات، حين أنقذ حياته في حادثٍ أثناء عودتهما من السوق عبر طريقٍ صحراوي.


تجمّد جسد حنان. أعادت الاسم في ذهنها بصوتٍ مكتوم: يونس.


سألت سالم إن كان متأكدًا من الاسم. أشار إلى التوقيع، وإلى تفاصيل الحادث المذكورة في النص. أوضح أن محمود أصرّ على أن الأمر يبقى سرًا، لأن يونس رفض أي مقابل آنذاك، واكتفى بالقول إن ما فعله واجب.


أحست حنان بأن الغرفة تضيق. كان عقلها يحاول استيعاب الفكرة، لكن المشهد الذي حدث صباحًا عاد يصفعها بقسوة. الرجل الذي طردته أمام الجميع، هو نفسه الذي كان زوجها يقدّره إلى هذا الحد.


سألت سالم بصوتٍ متقطع لماذا لم يُخبرها محمود. أجاب بأنه حاول أكثر من مرة أن يفتح الموضوع، لكنه كان يؤجل بسبب مرضه، وبسبب انشغالها بحملها الأول آنذاك.


أغلق سالم الملف بهدوء، ثم أضاف أن يونس لم يأتِ يومًا ليسأل عن هذه الوصية، رغم مرور كل هذه الأشهر. لم يطالب، ولم يلمّح، ولم يضغط. حتى بعد وفاة محمود، لم يذكر الأمر.


صمت طويل سيطر على المكان. لم تكن حنان تبكي، لكنها شعرت بصدمة أعمق من الدموع. كيف عاش يونس طوال هذا الوقت وهو يملك حقًا قانونيًا في جزء من الأرض، ولم يستخدمه؟ وكيف واجهها هذا الصباح بتلك الطمأنينة، وهو يعلم أنه لو أراد، لأصبح شريكًا رسميًا؟


تذكّرت لحظة اعتذارها له، وتذكّرت هدوءه. لم يكن هدوء الخائف، ولا هدوء المكسور، بل هدوء من يعرف قدر نفسه.


قال سالم إن أمامها خيارين: إما أن تُكمل إجراءات تسجيل الوصية رسميًا كما أراد محمود، أو أن تتجاهلها فتدخل في نزاعٍ قد يظهر لاحقًا إذا خرجت الوثيقة إلى العلن عبر الشهود.


هنا أحسّت حنان بثقل القرار الحقيقي. لم يعد الأمر اعتذارًا عاطفيًا أمام العمال فقط. صار مرتبطًا بالعدل، وبحقٍ موثّق.


سألت سالم إن كان أحد غيره يعرف بمجيئه اليوم. نفى ذلك. قال إنه فضّل أن يأتي وحده أولًا، احترامًا لخصوصية العائلة.


طلبت منه أن يمنحها مهلة قصيرة للتفكير. وافق، وغادر البيت تاركًا الملف أمامها.


جلست حنان وحدها. وضعت يدها على بطنها، وشعرت بحركةٍ خفيفة. لم تعد تفكر فقط كأرملة تخشى ضياع الميراث، بل كأم تفكر في المعنى الذي ستورثه لابنها.


إذا تجاهلت الوصية، فستحمي مساحة أكبر من الأرض، لكنها ستكسر وصية زوجها. وإذا نفذتها، فستعترف أمام نفسها أولًا بأنها كانت ترى يونس أقل مما هو عليه.


عادت بذاكرتها إلى ما قبل سنوات، حين كان محمود يعود أحيانًا متعبًا من رحلات السوق، ويذكر اسم يونس في سياق الثناء دون شرح مفصل. لم تهتم آنذاك بالتفاصيل.


مع اقتراب العصر، خرجت من البيت متجهةً إلى الحقول. رأت يونس يعمل بصمت مع عبد الرحيم، يعيد تثبيت الأعمدة، كأن شيئًا لم يتغير.


توقفت على مسافة تراقبه. لم تقترب هذه المرة. كانت تشعر أن بينهما حديثًا أكبر من اعتذار أو شكر.


في تلك اللحظة، أدركت أن المفاجأة ليست في الوصية فقط، بل في حقيقة أبسط: الرجل الذي ظنته خطرًا على مستقبل طفلها، كان في الحقيقة جزءًا من الأمان الذي صنعه زوجها بصمت.


عادت إلى البيت قبل الغروب، والقرار بدأ يتشكّل في صدرها ببطءٍ ثقيل.


غدًا لن يكون يومًا عاديًا في القرية.

وليس لأنها اعتذرت صباحًا، بل لأن الحقيقة كاملةً ستخرج إلى العلن، ومعها اختبارٌ أخير لضميرها.





الجزء الرابع

لم تنم حنان تلك الليلة.
كانت الوصية مفتوحة أمامها على الطاولة، وكلمات محمود تلمع في ذهنها كأنها كُتبت لتُقرأ الآن فقط.
لم يعد السؤال: هل تخاف على ميراث طفلها؟
بل صار السؤال: أيُّ ميراثٍ تريده له؟

مع أول خيوط الفجر، استدعت عبد الرحيم. أخبرته أن يجمع كبار رجال القرية بعد صلاة الظهر في ساحة الأرض. لم تشرح السبب. كان صوتها هادئًا على غير عادته، لكن في داخله حسمٌ لا رجعة فيه.

انتشر الخبر سريعًا. بعضهم ظنّ أن الأمر يتعلق بما حدث مع يونس، وبعضهم توقع قرارًا إداريًا جديدًا. أما يونس، فواصل عمله دون أن يسأل.

قبيل الظهر بقليل، وصل المحامي سالم مرة أخرى ومعه الملف. جلس جانبًا ينتظر بدء الاجتماع. وقف عبد الرحيم إلى يسار حنان، وقد بدا عليه القلق.

تقدّمت حنان خطوة إلى الأمام. نظرت إلى الوجوه التي تعرفها منذ طفولتها. وجوه شهدت زواجها، ووفاة محمود، وليلة طرد يونس، واعتذارها صباحًا.

بدأت حديثها بصوتٍ واضح. قالت إن ما حدث في العاصفة كشف لها أمرين: خطورة التسرّع، وقيمة الأمانة. ثم أشارت إلى سالم، وطلبت منه أن يقرأ عليهم نص الوصية.

ساد صمت ثقيل في الساحة. قرأ سالم نص الوصية كاملًا، مبيّنًا رغبة محمود في منح قطعة أرض محددة إلى يونس تقديرًا لإنقاذ حياته قبل سنوات.

ارتفعت همهمة مفاجِئة بين الحاضرين. بعضهم لم يصدق. بعضهم التفت إلى يونس بدهشة. أما هو، فكان واقفًا في الصف الخلفي، رأسه منخفض، لا يُظهر اعتراضًا ولا فخرًا.

أنهى سالم القراءة، ثم تراجع خطوة.

تقدّمت حنان مرة أخرى. قالت أمام الجميع إن الوصية صحيحة، وإنها قررت تنفيذها كاملة كما أراد محمود، دون تعديل أو تأجيل.

كان القرار أشبه بصخرة سقطت في ماء راكد. بدأت همسات جديدة، لكن حنان رفعت يدها طالبة الصمت. قالت إن الأرض لا تحفظها القسوة، بل العدل. وإنها إن كانت تخاف على حق ابنها، فالعدل أول ما يجب أن ترعاه.

نظرت نحو يونس، وطلبت منه أن يتقدم. تحرّك بخطوات مترددة إلى الأمام. توقفت حنان أمامه، وقالت إن الحق الذي كتبه محمود له سيُسجَّل رسميًا، وإنها تعترف أمام الجميع بقيمته ومكانته.

لم يكن الموقف سهلًا عليها، لكنها لم تتراجع. كانت تشعر بثقلٍ ينزاح عن صدرها مع كل كلمة.

انتظر الجميع رد يونس. رفع رأسه أخيرًا، وصوته خرج هادئًا كما اعتادوا. قال إنه يعلم بالحادث الذي يقصده محمود، لكنه لم يكن يعلم بأمر الوصية. أوضح أنه فعل ما فعل في الماضي لأنه لم يستطع أن يرى رجلًا ينزف دون أن يمد يده.

تبادل الحاضرون النظرات من جديد. لم يكن في صوته ادعاء بطولة، بل بساطة رجل يرى المعروف واجبًا.

ثم قال شيئًا لم يكن متوقعًا.

قال إنه يقبل تنفيذ الوصية احترامًا لرغبة محمود، لكنه لا يريد أن ينفصل عن الأرض أو يعمل بعيدًا عنها. قال إن القطعة الممنوحة له ستظل ضمن إدارة الأرض نفسها، وإن عائدها يُخصص أولًا لتطوير المخازن والحظائر حتى لا يتكرر خطر الانهيار الذي كاد يحدث.

ساد صمتٌ عميق.

كانت هذه اللحظة نقطة التحول الحقيقية. لم يطلب بيتًا مستقلًا، ولم يتفاخر بحقه، ولم يغادر ليبدأ حياة منفصلة. بل أعاد الحق إلى دائرة الأمان الجماعي.

شعرت حنان بحرارة في عينيها. لم تكن دموع ضعف، بل دموع إدراك. أدركت أن الرجل الذي حسبته تهديدًا كان يفكر بمنطقٍ أوسع منها.

اقترب عبد الرحيم، وقال أمام الحاضرين إن هذا التصرف يُعيد الثقة للجميع. هزّ بعض الرجال رؤوسهم موافقين.

أعلن سالم أن الإجراءات الرسمية ستبدأ خلال أيام، وأن الشهود جاهزون. ثم انفضّ الجمع تدريجيًا، وكلٌّ يحمل في ذهنه صورة جديدة عن يونس وحنان.

مع انصراف الناس، بقيت حنان واقفة للحظة تنظر إلى الأرض الممتدة أمامها. لم تعد تراها فقط كأملاك وأرقام وميراث، بل كمسؤولية أخلاقية.

اقتربت من يونس بهدوء. قالت له إن خوفها جعلها ترى الأمور بغير حقيقتها، وإنها تعلّمت درسًا لن تنساه. لم تطلب شكرًا، ولم تنتظر ردًا طويلًا.

أجابها بأن الحياة تعلّم الجميع، وأن العاصفة كشفت ما كان خفيًا.

في تلك اللحظة، أدركت حنان شيئًا أعمق من الوصية نفسها. أدركت أن محمود لم يكن يمنح يونس أرضًا فقط، بل كان يطمئن إلى أن بجانبه رجلًا يحمي ما بعده.

وقفت تشعر بمزيجٍ غريب من الحزن والسكينة. الحزن لأنها أخطأت في حق من لا يستحق، والسكينة لأنها صححت الخطأ قبل فوات الأوان.

لكن داخلها سؤال أخير بدأ يتكوّن ببطء:
هل يكفي تنفيذ الوصية لإصلاح ما انكسر في قلوب الناس؟
أم أن الطريق نحو استعادة الثقة يحتاج إلى ما هو أعمق من الأرض والوثائق؟






الجزء الخامس

لم تنتهِ آثار ذلك الاجتماع عند حدود الساحة.
في مساء اليوم نفسه، بدأت الأحاديث تنتشر في بيوت القرية.
لم يكن الحديث هذه المرة عن خطأ حنان، بل عن كرامة يونس.

كانت حنان جالسة في بيتها، والهدوء يخيّم حولها، لكن داخلها لم يهدأ بعد. تنفيذ الوصية كان قرارًا عادلًا، لكنها شعرت أن العدل وحده لا يمحو أثر الإهانة التي حدثت في تلك الليلة العاصفة.

دخلت عليها أمينة، الجارة العجوز التي اعتادت زيارتها منذ وفاة محمود. جلست بجوارها وسألتها عمّا يشغل بالها، رغم أن الأخبار وصلت إليها قبل أن تسأل.

قالت أمينة إن الناس يحترمون من يعترف بخطئه، لكن القلوب تحتاج إلى وقت حتى تصدّق التغيير. كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت موضعًا حساسًا داخل حنان.

في اليوم التالي، بدأت إجراءات إصلاح المخزن بشكل أوسع. اقترح يونس تدعيم السقف بالكامل، وليس فقط الجزء المتضرر. وافقت حنان دون اعتراض، بل وأصرت أن يُخصّص جزء من ميزانية الموسم لهذا الغرض.

لاحظ العمال فرقًا في أسلوبها. لم تعد تصدر الأوامر بنبرة حادة، بل تستمع قبل أن تقرر. كانت تسأل عبد الرحيم عن رأيه، وتستفسر من يونس عن تفاصيل العمل.

لكن رغم هذا التغيير، ظلت هناك مسافة صامتة بينها وبين يونس. كان يتعامل باحترام، لكنه لا يطيل الحديث. يؤدي عمله وينصرف.

شعرت حنان أن شيئًا في داخله ما زال حذرًا. لم يكن غضبًا ظاهرًا، بل تحفظًا طبيعيًا بعد ما حدث.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت تتفقد الحقول القريبة من أطراف الصحراء، وجدت يونس يقف وحيدًا يراقب الغنم قبل غروب الشمس. توقفت على بُعد خطوات، ثم اقتربت.

قالت له إن قرار تخصيص عائد الأرض لتطوير المكان فكرة كريمة. أجاب ببساطة أن المكان عاش فيه سنوات، ولا يمكن أن يفصل نفسه عنه.

ترددت لحظة، ثم سألته عن الحادث الذي أنقذ فيه محمود. لم يُظهر انزعاجًا، لكنه صمت قبل أن يجيب.

قال إنهما كانا عائدين عبر طريقٍ جانبي، فانحرفت العربة بسبب الرمال، وانقلبت. أصيب محمود إصابة خطيرة في ساقه، بينما استطاع هو الخروج بسرعة، وعاد ليسحبه قبل أن تشتعل النيران في العربة.

ذكر الأمر وكأنه حادث عابر، لا بطولة فيه. قال إنه ظل أيامًا يزوره في المستشفى، ثم عاد كل شيء كما كان.

شعرت حنان بثقل الدموع في عينيها. لم تتخيل أن زوجها كان على حافة الموت يومًا، وأن الرجل الذي طردته أنقذه من ذلك المصير.

سألته لماذا لم يخبرها. قال إن محمود طلب منه ألا يذكر الأمر، حتى لا تكبر الحكاية في القرية ويُحرج أحدًا.

هنا فهمت شيئًا جديدًا عن زوجها الراحل. لم يكن يريد أن يشعر يونس بأنه مدين له، بل فضّل أن يحفظ الامتنان في وصية صامتة.

مرّت الأيام، وبدأت إجراءات تسجيل الوصية رسميًا. ذهب سالم مع الشهود إلى المدينة، وعاد بالأوراق موثقة.

لم يُعلن الأمر باحتفال، بل حدث بهدوء. لكن الأثر النفسي كان عميقًا. صار اسم يونس يُذكر في مجالس القرية مقرونًا بالأمانة.

أما حنان، فكانت تشعر بأن تجربتها مع تلك العاصفة غيّرتها من الداخل. لم تعد ترى القوة في الشدة فقط، بل في القدرة على التراجع حين يكون التراجع عدلًا.

ومع اقتراب موعد ولادتها، بدأت تخاف من مسؤولية أكبر. لم تعد تفكر فقط في إدارة الأرض، بل في نوع الإنسان الذي سيكبر تحت سقف بيتها.

في إحدى الليالي، شعرت بألم مفاجئ. استدعت القابلة سميرة بسرعة. تجمع بعض نساء القرية في البيت للمساعدة.

طالت الساعات، والألم يشتد. في الخارج، كان عبد الرحيم ويونس ينتظران أي خبر. لم يكن الانتظار عاديًا؛ كان كل واحد منهما يشعر بأن هذه الليلة امتداد لما بدأ في العاصفة.

قبيل الفجر، سُمع صوت بكاء طفل. خرجت سميرة تخبرهم أن حنان أنجبت غلامًا معافى. عمّ الارتياح المكان.

نظر يونس نحو السماء لحظة، ثم جلس صامتًا. لم يكن له صلة قرابة بالطفل، لكنه شعر بشيء من الطمأنينة.

في الداخل، حملت حنان طفلها بين ذراعيها. نظرت إليه طويلًا، وتذكّرت كل ما مرّ في الأسابيع الأخيرة. أدركت أن حياتها لم تنقلب بسبب ليلة عاصفة فقط، بل بسبب حقيقة كانت مختبئة في قلب إنسان.

في صباح اليوم التالي، طلبت أن يُؤذن في أذن الطفل باسمٍ اختارته بعناية.

اختارت له اسم محمود، تخليدًا لزوجها، لكن داخلها كانت تنوي أن تورثه شيئًا آخر غير الاسم.

كانت تريد أن يكبر وهو يعرف أن الأرض لا يحفظها الخوف، بل الوفاء.
وأن القوة الحقيقية لا تظهر حين نُصدر الأحكام، بل حين نمتلك الشجاعة للاعتراف بها.





الجزء السادس

مرّت أسابيع بعد ولادة محمود الصغير، والبيت امتلأ بصوتٍ جديد غيّر إيقاع الأيام.
لكن في قلب حنان، ظلّ أثر العاصفة حاضرًا كذكرى لا تُنسى.
لم تعد ترى ما حدث مجرد واقعة عابرة، بل امتحانًا كشف لها نفسها قبل أن يكشف الآخرين.

عاد العمل في الأرض إلى انتظامه. المخزن جرى تدعيمه بالكامل، وأُضيفت أعمدة جديدة بإشراف يونس وعبد الرحيم. لم يعد أحد يخشى انهيارًا مفاجئًا كما كاد يحدث في تلك الليلة.

لكن التغيير الأكبر لم يكن في الخشب أو الأعمدة، بل في طريقة الإدارة. بدأت حنان تعقد اجتماعًا أسبوعيًا بسيطًا مع العمال، تستمع فيه لملاحظاتهم. لم تكن تفعل ذلك من قبل. كانت ترى أن القرار مسؤوليتها وحدها. أما الآن، فكانت تؤمن أن المشاركة تحمي من التسرع.

لاحظ عبد الرحيم الفرق بوضوح. قال لها ذات مرة إن الأرض تبدو أكثر استقرارًا من أي وقت مضى. لم يُقصد الاستقرار المادي فقط، بل النفسي.

أما يونس، فكان حضوره في الاجتماعات هادئًا. يُبدي رأيه إذا سُئل، ولا يتجاوز حدّه. لم يستغل مكانته الجديدة، ولم يطلب معاملة خاصة بعد تسجيل قطعة الأرض باسمه رسميًا.

ذات صباح، وصل إخطار من المدينة يفيد بإتمام نقل الملكية كما نصّت الوصية. سلّم سالم الأوراق إلى حنان، ثم صافح يونس مهنئًا.

توقعت حنان أن يتغيّر شيء بعد هذه الخطوة. ربما يتزايد الحديث حول الفروق بين المالك والعامل. لكن يونس فاجأها بطلبٍ بسيط.

قال إنه يريد أن تظلّ الأرض المسجّلة باسمه تحت إدارة واحدة، وأن يُخصّص دخلها لصندوق احتياطي للطوارئ، يُستخدم عند الحاجة فقط، سواء لعلاج عامل، أو إصلاح ضرر مفاجئ، أو شراء معدات تحمي الجميع.

لم تكن الفكرة مجرد اقتراح، بل رؤية بعيدة. فهمت حنان أن الرجل الذي أنقذ المخزن من الانهيار كان يفكر دومًا بهذه الطريقة؛ يفكر فيما يمنع السقوط قبل أن يحدث.

وافقت فورًا، وشعرت بامتنان داخلي. لم يكن الامتنان لأنه تنازل عن حق، بل لأنه استخدم حقه لصالح الجميع.

في أحد الأيام، جاءت إلى الأرض امرأة تُدعى نجلاء، أخت محمود. كانت قد سمعت بتفاصيل الوصية متأخرة، ولم تُخفِ انزعاجها. رأت أن منح جزء من الأرض ليونس قد يُقلّص مستقبل ابن أخيها.

استمعت حنان بهدوء. لم تنفعل كما كانت ستفعل قبل أشهر. شرحت لها تفاصيل الحادث، وقرأَت عليها نصّ الوصية. أكدت أن ما أُعطي ليونس لم يُنتقص من حقّ أحد، بل نُفّذ كما أراد محمود.

لم تقتنع نجلاء فورًا، لكن الأيام أثبتت لها أن الوضع لم يهتز. بل على العكس، ازداد دخل الأرض بعد تنظيم العمل وتدعيم المخازن.

حين مرض أحد العمال فجأة واضطر لإجراء عملية مكلفة، استُخدم من صندوق الطوارئ جزء لتغطية نفقاته. في تلك اللحظة، بدأ كثيرون يفهمون معنى القرار.

كانت حنان تراقب كل ذلك، وتشعر بأن نضجًا جديدًا يتكوّن داخلها. لم تعد ترى يونس مجرد راعٍ يعمل لديها، ولا شريكًا فرضته وصية، بل عنصر توازن في حياتها.

وفي مساء هادئ، بينما كان الطفل محمود نائمًا، جلست حنان تتأمل وجهه الصغير. تساءلت في نفسها: ماذا لو لم تأتِ تلك العاصفة؟ ماذا لو لم تطرده؟ هل كانت ستكتشف هذه الحقيقة؟ هل كانت ستظل تحكم من خلف جدار الخوف؟

أدركت أن الخطأ، رغم ألمه، كشف لها درسًا لا يُعلَّم بسهولة.

في اليوم التالي، حدث أمر صغير لكنه عميق الدلالة. جاء شاب من القرية يطلب العمل في الأرض. كان معروفًا بسمعة غير مستقرة، وبعض العمال حذروا منه.

نظرت حنان إلى يونس، ثم إلى عبد الرحيم. لم تُصدر قرارًا فوريًا. سألت الشاب عن ظروفه، وعن سبب حاجته للعمل. استمعت طويلًا، ثم قالت إنها ستمنحه فرصة مؤقتة تحت رقابة.

بعد انصراف الشاب، التفتت إلى يونس وقالت إنها لن تحكم على أحد مسبقًا بعد الآن. ابتسم ابتسامة خفيفة لم تخلُ من معنى، ثم عاد إلى عمله.

تلك الابتسامة، رغم بساطتها، كانت علامة على أن الجدار الأخير بينهما بدأ ينهار.

لم يكن بينهما حديث عن الماضي بعد ذلك. لم يعد هناك داعٍ لاستعادته. صار الحاضر كافيًا.

لكن داخل حنان، بقي سؤال أخير لم يُحسم بالكامل:
هل يمكن أن يتحول خطأ كبير إلى أساس متين لبداية جديدة دائمة؟
أم أن اختبارًا آخر سيأتي يومًا ليعيدها إلى نقطة الصفر؟




الجزء السابع والأخير

لم يأتِ الاختبار الجديد على هيئة عاصفة هذه المرّة،
بل جاء بهدوءٍ أخطر من الريح،
جاء على هيئة عرضٍ مغرٍ.

بعد مرور عام تقريبًا على تلك الليلة، وصلت إلى القرية أخبار عن شركةٍ من المدينة ترغب في شراء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية القريبة من أطراف الصحراء الغربية. كانوا يعرضون مبالغ كبيرة تفوق ما تجنيه الأرض خلال سنوات.

لم يكن العرض موجّهًا لحنان وحدها، بل لعدة ملاك في المنطقة. لكن أرضها كانت الأكثر تنظيمًا والأغنى إنتاجًا، لذلك كان التركيز عليها واضحًا.

في البداية، شعرت بشيء من الإغراء. المبلغ المعروض يمكن أن يضمن مستقبل ابنها دون قلق. يمكن أن يضعه في مدارس خاصة، ويؤمّن له حياة لا يخاف فيها من عاصفة أو انهيار مخزن.

لكن داخلها صوت آخر كان يسأل: وماذا عن الأرض التي حمتها؟ ماذا عن الرجال الذين يعملون فيها؟ ماذا عن وصية محمود التي لم تكن مجرد قطعة أرض، بل رسالة؟

عقدت اجتماعًا ضم عبد الرحيم ويونس وبعض كبار العمال. عرضت عليهم الأمر بصراحة. لم تُخفِ حجم المبلغ ولا تفاصيل العرض.

تباينت الآراء. بعضهم رأى أن البيع فرصة لا تعوّض، وبعضهم خاف من فقدان مصدر الرزق.

حين جاء دور يونس للكلام، لم يتحدث عن المال مباشرة. قال إن الأرض لا تُقاس فقط بقيمتها في السوق، بل بقيمتها حين يحتاجها الناس. ذكر أن الشركة قد توظف بعض العمال مؤقتًا، لكنها لن تُبقي عليهم جميعًا.

لم يكن كلامه عاطفيًا، بل عمليًا. أشار إلى صندوق الطوارئ الذي أُنشئ من عائد الأرض المسجّلة باسمه، وكيف ساعد أكثر من أسرة خلال العام.

ثم قال بهدوء إن القرار في النهاية يعود لحنان، لأنها المسؤولة أمام ابنها وأمام نفسها.

تلك الجملة أعادتها إلى نقطة البداية. المسؤولية. لكنها هذه المرة لم تكن مسؤولية الخوف، بل مسؤولية الأثر.

في الليل، جلست أمام صورة محمود. لم تطلب إشارة، ولم تنتظر علامة. كانت تعلم أن القرار لا يُبنى على ذكرى، بل على فهم ما تركه وراءه.

في الصباح التالي، استدعت مندوب الشركة. قالت له بهدوء إنها لن تبيع. لم تدخل في مفاوضة، ولم ترفع السعر. اكتفت بالقول إن الأرض ليست مجرد سلعة.

خرج الخبر إلى القرية سريعًا. بعضهم اعتبر القرار مخاطرة. لكن الأيام اللاحقة كشفت أثره الحقيقي.

استمرت الأرض في الإنتاج، وتوسّعت زراعتها تدريجيًا. أُضيفت حظائر جديدة بفضل الإدارة الجماعية. صار العمال يشعرون بأنهم جزء من كيان ثابت، لا تابعين لملاك متغيّرين.

أما محمود الصغير، فقد بدأ يكبر وهو يرى مشهدًا مختلفًا عمّا عاشته أمه في بداية الطريق. يرى أمًا تستشير قبل أن تحكم، ورجلًا كان يُدعى راعي الغنم، لكنه في الحقيقة أحد أعمدة المكان.

وذات مساء، بينما كان الصغير يسير خطواته الأولى في ساحة الأرض، تعثر قليلًا. كان يونس الأقرب إليه، فانحنى ورفعه سريعًا قبل أن يقع.

توقفت حنان للحظة وهي تراقب المشهد. عاد إليها مشهد قديم، عربة تنقلب في الصحراء، ورجل ينقذ آخر من السقوط.

فهمت في تلك اللحظة أن بعض الناس قد لا يغيّرون أقدارهم بالصوت العالي، بل بالوقوف في اللحظة المناسبة حين يوشك شيء ما على الانهيار.

اقتربت من يونس، وقالت بهدوء إن محمود محظوظ لأنه سيكبر وهو يرى بعينيه معنى الأمانة.

أجابها بكلمة واحدة: والعدل.

تبادلا نظرة قصيرة، لا تحمل ثقل الماضي، بل طمأنينة الحاضر.

لم تكن المفاجأة الكبرى أن يونس كان يملك حقًا قانونيًا في الأرض.
المفاجأة الحقيقية أن الرجل الذي كان يستطيع يومًا أن يُحرجها أمام الناس بورقة وصية، اختار الصمت، واختار أن يحمي ما ظنّت هي أنه يهدده.

تلك الليلة الباردة التي طردته فيها لم تعد جرحًا، بل صارت نقطة تحوّل صنعت توازنًا جديدًا في حياتها.

أدركت حنان أخيرًا أن القسوة لم تكن تحمي ميراث طفلها، بل كانت تكاد تهدمه.
وأن الرجل الذي اتهمته بمحاولة السرقة، كان في الحقيقة يحرس سقفها من الانهيار… ويحرس معها معنى الكرامة.

وهكذا، لم تنتهِ الحكاية عند اعتذارٍ في صباحٍ بارد،
بل بدأت هناك…
حين تعلّمت أن الخوف يُغلق الأبواب،
أما الثقة، فهي التي تُبقيها واقفة في وجه كل عاصفة.


إذا أعجبتكم القصة، اضغطوا لايك واشتركوا ليصلكم كل جديد من قصص صعيدية مشوقة


تعليقات