أَهْلًا بِكَ يَا صَدِيقِي. سَأَبْدَأُ مَعَكَ كِتَابَةَ هَذِهِ القِصَّةِ المِصْرِيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ المَلِيئَةِ بِالشَّجَنِ وَالتَّشْوِيقِ، مُلْتَزِمًا بِكُلِّ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا، خُصُوصًا التَّشْكِيلَ الكَامِلَ وَعَدَمَ اسْتِخْدَامِ عَلَامَاتِ الِاقْتِبَاسِ، وَالسَّرْدَ المُتَوَاصِلَ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الحَجْمِ المَطْلُوبِ.

إِلَيْكَ الجُزْءُ الأَوَّلُ:

الجُزْءُ الأَوَّلُ: أَمَانَةُ الرَّاعِي وَسِرُّ الرِّمَالِ

تَحْتَ لَهِيبِ الشَّمْسِ الحَارِقَةِ فِي صَحْرَاءِ مِصْرَ الغَرْبِيَّةِ، كَانَ الرَّاعِي صَابِرٌ يَسِيرُ خَلْفَ غَنَمَاتِهِ الهَزِيلَةِ، يَبْحَثُ عَنْ نَبْتَةٍ خَضْرَاءَ تَقْهَرُ جَفَافَ الأَرْضِ. صَابِرٌ رَجُلٌ قَنُوعٌ، عَاشَ حَيَاتَهُ بَيْنَ الصُّخُورِ وَالرِّمَالِ، لَمْ يَعْرِفْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا سِوَى عَصَاهُ وَرِدَائِهِ البَسِيطِ. فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، كَانَ الصَّمْتُ يَسُودُ المَكَانَ، إِلَّا مِنْ صَوْتِ أَنْفَاسِهِ المُتَهَدِّجَةِ وَوَقْعِ حَوَافِرِ الأَغْنَامِ. فَجْأَةً، تَوَقَّفَ صَابِرٌ عَنِ السَّيْرِ، بَعْدَمَا لَمَحَ جِسْمًا غَرِيبًا يَمْتَدُّ بَيْنَ التِّلَالِ الرَّمْلِيَّةِ. ظَنَّ فِي البِدَايَةِ أَنَّهُ سَرَابٌ يَخْدَعُ عَيْنَيْهِ، لَكِنَّ فُضُولَهُ دَفَعَهُ لِلِاقْتِرَابِ. عِنْدَمَا وَصَلَ، تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِهِ؛ فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ تَرْقُدُ وَجْهُهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَقَدْ غَطَّتِ الرِّمَالُ أَطْرَافَهَا. نَزَلَ صَابِرٌ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وَتَحَسَّسَ نَبْضَهَا، فَوَجَدَهُ ضَعِيفًا يَهْرُبُ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَمَا يَهْرُبُ المَاءُ مِنَ المُنْخُلِ. حَمَلَهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقْلِ المَسْؤُولِيَّةِ يَقَعُ عَلَى كَاهِلِهِ. نَسِيَ صَابِرٌ غَنَمَهُ، وَنَسِيَ تَعَبَهُ، وَانْطَلَقَ بِهَا نَحْوَ كُوخِهِ المَبْنِيِّ مِنْ طِينٍ وَجَرِيدٍ، وَهُوَ يَدْعُو اللهَ أَنْ تَبْقَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، اسْتَقْبَلَتْهُ زَوْجَتُهُ هَانِمٌ بِذُعْرٍ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ هَذِهِ الفَتَاةِ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ وَجَدَهَا تَمُوتُ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ. بَدَأَتْ هَانِمٌ بِتَنْظِيفِ وَجْهِ الفَتَاةِ بِالمَاءِ البَارِدِ، بَيْنَمَا كَانَ صَابِرٌ يُرَاقِبُ بِقَلَقٍ. بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الِانْتِظَارِ المُرِّ، فَتَحَتِ الفَتَاةُ عَيْنَيْهَا، لَكِنَّ نَظَرَاتِهَا كَانَتْ تَائِهَةً، خَالِيَةً مِنْ أَيِّ مَعْرِفَةٍ. سَأَلَهَا صَابِرٌ عَنِ اسْمِهَا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِانْكِسَارٍ وَقَالَتْ إِنَّهَا لَا تَتَذَكَّرُ شَيْئًا، لَا اسْمَهَا، وَلَا أَيْنَ كَانَتْ، وَلَا كَيْفَ وَصَلَتْ إِلَى هُنَا. حَزِنَ صَابِرٌ لِحَالِهَا، وَقَرَّرَ مَعَ زَوْجَتِهِ هَانِمٌ أَنْ يُطْلِقَا عَلَيْهَا اسْمَ نُورٍ، لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُ فِي وُجُودِهَا نُورًا لِحَيَاتِهِمَا البَائِسَةِ. مَرَّتِ الأَيَّامُ، وَبَدَأَتْ نُورٌ تَسْتَعِيدُ عَافِيَتَهَا الجَسَدِيَّةَ، لَكِنَّ عَقْلَهَا ظَلَّ مُغْلَقًا عَلَى مَاضٍ مَجْهُولٍ. كَانَتْ نُورٌ تُسَاعِدُ هَانِمٌ فِي أَعْمَالِ البَيْتِ بِرِقَّةٍ وَأَدَبٍ، وَكَانَ صَابِرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهَا كَأَنَّهَا ابْنَتُهُ الَّتِي لَمْ يُنْجِبْهَا. وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كَانَتْ نُورٌ تَنْظُرُ إِلَى القَمَرِ، انْهَمَرَتْ دُمُوعُهَا دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ، وَشَعَرَتْ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ يَمْزِقُ صَدْرَهَا. حَاوَلَتْ هَانِمٌ تَهْدِئَتَهَا، لَكِنَّ نُورٌ كَانَتْ تُرَدِّدُ كَلِمَاتٍ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ عَنْ خُيُولٍ تَجْرِي وَصُرَاخٍ يَمْلأُ المَكَانَ. شَعَرَ صَابِرٌ أَنَّ خَلْفَ هَذِهِ الفَتَاةِ قِصَّةً كَبِيرَةً، وَأَنَّ صَمْتَهَا يُخْبِئُ عَاصِفَةً. وَبَيْنَمَا هُمْ جَالِسُونَ، طَرَقَ بَابَهُمْ جَارُهُمُ الرَّجُلُ العَجُوزُ جَابِرٌ، وَكَانَ يَبْدُو عَلَيْهِ الِارْتِبَاكُ. أَخْبَرَ جَابِرٌ صَابِرًا أَنَّ هُنَاكَ رِجَالًا غُرَبَاءَ يَتَجَوَّلُونَ فِي القُرَى المُجَاوِرَةِ، يَسْأَلُونَ عَنْ فَتَاةٍ اخْتَفَتْ مُنْذُ أَسَابِيعَ. ارْتَجَفَ قَلْبُ صَابِرٌ، وَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ نُورٌ مَطْلُوبَةً لِأَمْرٍ سَيِّءٍ. بَدَأَ صَابِرٌ يُفَكِّرُ، هَلْ يُسَلِّمُهَا لِأُولَئِكَ الرِّجَالِ أَمْ يَحْمِيهَا؟ نَظَرَ إِلَى نُورٍ، فَوَجَدَ فِيهَا بَرَاءَةً لَا مَثِيلَ لَهَا، فَقَرَّرَ أَنْ يَكْتُمَ أَمْرَهَا حَتَّى يَعْرِفَ الحَقِيقَةَ. فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، خَرَجَ صَابِرٌ إِلَى السُّوقِ القَرِيبِ لِيَسْمَعَ الأَخْبَارَ، وَهُنَاكَ سَمِعَ هَمَسَاتٍ تَتَحَدَّثُ عَنْ مُكَافَأَةٍ مَالِيَّةٍ ضَخْمَةٍ لِمَنْ يَعْثُرُ عَنْ فَتَاةٍ مَفْقُودَةٍ. كَانَتِ المَبَالِغُ المَذْكُورَةُ كَفِيلَةً بِتَغْيِيرِ حَيَاتِهِ إِلَى الأَبَدِ، لَكِنَّ خَوْفَهُ عَلَى نُورٍ كَانَ أَعْظَمَ. عِنْدَمَا عَادَ صَابِرٌ إِلَى البَيْتِ، وَجَدَ نُورٌ تَبْكِي، وَأَخْبَرَتْهُ هَانِمٌ أَنَّ الفَتَاةَ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا رَجُلًا يَكْرَهُهَا وَيُرِيدُ قَتْلَهَا. زَادَ قَلَقُ صَابِرٌ، وَبَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ خَطَرًا يَقْتَرِبُ مِنْ كُوخِهِ الصَّغِيرِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَيْنَمَا كَانَ يُقَلِّبُ ثِيَابَ نُورٍ القَدِيمَةَ الَّتِي غَسَلَتْهَا هَانِمٌ، وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَلْحَظْهُ مِنْ قَبْلُ. كَانَ هُنَاكَ خَاتَمٌ صَغِيرٌ مَخْبُوءٌ فِي جَيْبٍ سِرِّيٍّ دَاخِلَ ثَوْبِهَا، خَاتَمٌ يَحْمِلُ نَقْشًا غَرِيبًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ. أَخَذَ صَابِرٌ الخَاتَمَ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى الصَّائِغِ العَجُوزِ زَيْدَانُ فِي المَدِينَةِ، وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي الطَّرِيقِ. عِنْدَمَا رَأَى زَيْدَانُ الخَاتَمَ، شَحَبَ وَجْهُهُ وَارْتَجَفَتْ يَدَاهُ، وَنَظَرَ إِلَى صَابِرٍ بِنَظْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالرُّعْبِ وَالذُّهُولِ. سَأَلَ زَيْدَانُ صَابِرًا عَنْ مَصْدَرِ هَذَا الخَاتَمِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، فَأَخْبَرَهُ صَابِرٌ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا. هُنَا اقْتَرَبَ زَيْدَانُ مِنْ أُذُنِ صَابِرٍ وَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذَا الخَاتَمَ لَا يَلْبَسُهُ إِلَّا أَفْرَادُ العَائِلَةِ المَالِكَةِ فِي مِصْرَ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ يُمَثِّلُ الدَّمَ المَلَكِيَّ الخَالِصَ. صُدِمَ صَابِرٌ وَتَرَاجَعَ إِلَى الخَلْفِ، وَشَعَرَ أَنَّ الأَرْضَ تَدُورُ بِهِ. هَلْ نُورٌ، الفَتَاةُ اليَتِيمَةُ الفَاقِدَةُ لِلذَّاكِرَةِ الَّتِي تَنَامُ فِي كُوخِهِ، هِيَ ابْنَةُ المَلِكِ أَوْ قَرِيبَتُهُ؟ عَادَ صَابِرٌ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ يَرْتَجِفُ، وَدَخَلَ عَلَى هَانِمٌ وَنُورٍ وَجَسَدُهُ يَنْتَفِضُ. لَمْ يَنْطِقْ بِكَلِمَةٍ، لَكِنَّ نُورٌ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ إِنَّهَا بَدَأَتْ تَتَذَكَّرُ وَجْهَ رَجُلٍ كَانَ يَصْرُخُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ مِنَ العَرَبَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ صَابِرٌ يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ الحَقِيقَةِ، سَمِعُوا صَوْتَ حَوَافِرِ خُيُولٍ تَقْتَرِبُ بِقُوَّةٍ مِنْ كُوخِهِمْ. نَظَرَ صَابِرٌ مِنَ الفَتْحَةِ الصَّغِيرَةِ فِي البَابِ، فَرَأَى مَجْمُوعَةً مِنَ الفُرْسَانِ يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ رَسْمِيَّةً وَيَحْمِلُونَ سُيُوفًا لَامِعَةً. كَانَ القَائِدُ عَبَّاسٌ يَتَقَدَّمُهُمْ بِنَظَرَاتٍ حَادَّةٍ، وَيُشِيرُ إِلَى كُوخِ صَابِرٍ بِيَدِهِ. شَعَرَ صَابِرٌ أَنَّ النِّهَايَةَ قَدْ بَدَأَتْ، وَأَنَّ سِرَّ نُورٍ لَمْ يَعُدْ مِلْكَهُ وَحْدَهُ. هَمَسَتْ هَانِمٌ بِرُعْبٍ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ، فَنَظَرَ صَابِرٌ إِلَى نُورٍ الَّتِي كَانَتْ تَرْتَجِفُ كَالعُصْفُورِ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ سَيُدَافِعُ عَنْهَا مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ. لَكِنَّ المُفَاجَأَةَ كَانَتْ عِنْدَمَا تَرَجَّلَ القَائِدُ عَبَّاسٌ عَنْ فَرَسِهِ، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقْتَحِمَ الكُوخَ، وَقَفَ أَمَامَهُ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ طَالِبًا مِنْ صَاحِبِ البَيْتِ الخُرُوجَ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِأَمْنِ البِلَادِ. خَرَجَ صَابِرٌ وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَتَوَقَّفُ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ مَعَ مَصِيرٍ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُهُ قَطُّ، حَيْثُ نَظَرَ إِلَيْهِ عَبَّاسٌ وَسَأَلَهُ إِنْ كَانَ قَدْ رَأَى فَتَاةً تَمْلِكُ خَاتَمًا مَلَكِيًّا، ثُمَّ أَخْرَجَ صُورَةً لِنُورٍ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الفَتَاةَ هِيَ الهَارِبَةُ الوَحِيدَةُ مِنْ مَجْزَرَةٍ سِيَاسِيَّةٍ كُبْرَى دَاخِلَ القَصْرِ.






إِلَيْكَ الجُزْءُ الثَّانِي مِنَ القِصَّةِ، مُلْتَزِمًا بِالتَّشْكِيلِ الكَامِلِ وَالقَوَاعِدِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا:

الجُزْءُ الثَّانِي: حِصَارُ الصِّدْقِ وَنِيَّاتُ الغَدْرِ

وَقَفَ صَابِرٌ أَمَامَ القَائِدِ عَبَّاسٍ وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ، كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ الهَوَاءَ قَدْ ضَاقَ فِي صَدْرِهِ. نَظَرَ عَبَّاسٌ إِلَى صَابِرٍ بِنَظَرَاتٍ ثَاقِبَةٍ، وَسَأَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنِ الفَتَاةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُخْفِيهَا سَيُعْتَبَرُ خَائِنًا لِلْمَمْلَكَةِ. كَانَ صَابِرٌ يَعْلَمُ أَنَّ حَيَاةَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّ أَيَّ كَلِمَةٍ خَاطِئَةٍ قَدْ تَعْنِي نِهَايَتَهَا وَنِهَايَتَهُ مَعَهَا. حَاوَلَ صَابِرٌ التَّمَاسُكَ، فَقَالَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ إِنَّهُ رَاعِي غَنَمٍ بَسِيطٌ وَلَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ أُمُورِ القُصُورِ أَوْ أَهْلِهَا. لَكِنَّ القَائِدَ عَبَّاسٌ لَمْ يَقْتَنِعْ، وَأَمَرَ جُنُودَهُ بِتَفْتِيشِ الكُوخِ فَوْرًا. دَخَلَ الجُنُودُ بِعُنْفٍ، وَصَرَخَتْ هَانِمٌ مِنَ الرُّعْبِ، بَيْنَمَا انْكَمَشَتْ نُورٌ فِي زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ وَهِيَ تَرْتَجِفُ. عِنْدَمَا رَأَى أَحَدُ الجُنُودِ نُورٌ، صَاحَ مُنَادِيًا القَائِدَ، فَدَخَلَ عَبَّاسٌ وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا. صَمَتَ المَكَانُ صَمْتًا مُمِيتًا، ثُمَّ انْحَنَى عَبَّاسٌ أَمَامَهَا وَقَالَ بِصَوْتٍ غَرِيبٍ إِنَّهُ أَخِيرًا وَجَدَ الأَمِيرَةَ المَفْقُودَةَ. شَعَرَ صَابِرٌ بِالصَّدْمَةِ تَمْزِقُ كِيَانَهُ، فَنُورٌ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَرِيبَةٍ لِلْمَلِكِ، بَلْ هِيَ ابْنَتُهُ الوَحِيدَةُ. نَظَرَتْ نُورٌ إِلَى عَبَّاسٍ بِخَوْفٍ، وَقَالَتْ لَهُ بِنَبْرَةٍ بَاكِيَةٍ إِنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَنْ هِيَ وَلَا تُرِيدُ الذَّهَابَ مَعَهُ. أَمَرَ عَبَّاسٌ جُنُودَهُ بِتَجْهِيزِ العَرَبَةِ لِنَقْلِهَا إِلَى العَاصِمَةِ فَوْرًا، لَكِنَّ صَابِرٌ اعْتَرَضَ طَرِيقَهُمْ بِشَجَاعَةٍ مَفَاجِئَةٍ، قَائِلًا إِنَّ الفَتَاةَ مَرِيضَةٌ وَلَا تَتَذَكَّرُ أَحَدًا. زَجَرَهُ عَبَّاسٌ وَدَفَعَهُ بَعِيدًا، بَيْنَمَا كَانَتْ هَانِمٌ تَبْكِي بِحُرْقَةٍ وَهِيَ تَرَى نُورٌ تُسَاقُ قَهْرًا. قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ العَرَبَةُ، نَظَرَتْ نُورٌ إِلَى صَابِرٍ وَهَانِمٌ نَظْرَةَ وَدَاعٍ مَكْسُورَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَنْجِدُ بِهِمَا. رَحَلَ الجُنُودُ وَتَرَكُوا صَابِرٌ وَزَوْجَتَهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الِانْهِيَارِ. لَمْ يَسْتَسْلِمْ صَابِرٌ لِلْيَأْسِ، بَلْ شَعَرَ بِأَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا خَطِيرًا يَحْدُثُ، خُصُوصًا بَعْدَ كَلَامِ الصَّائِغِ زَيْدَانُ عَنِ المَجْزَرَةِ. قَرَّرَ صَابِرٌ أَنْ يَتْبَعَهُمْ سِرًّا لِيَعْرِفَ مَصِيرَ نُورٍ، فَرَكِبَ حِمَارَهُ العَجُوزَ وَانْطَلَقَ خَلْفَهُمْ مُتَخَفِّيًا بَيْنَ التِّلَالِ. بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ السَّيْرِ، رَأَى صَابِرٌ العَرَبَةَ تَتَوَقَّفُ فِي مَكَانٍ مَهْجُورٍ بَعِيدًا عَنِ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي لِلْعَاصِمَةِ. تَعَجَّبَ صَابِرٌ، فَلِمَاذَا لَا يَذْهَبُونَ إِلَى المَلِكِ؟ اقْتَرَبَ أَكْثَرَ وَتَسَلَّلَ بَيْنَ الصُّخُورِ، لِيَسْمَعَ حَدِيثًا بَيْنَ عَبَّاسٍ وَأَحَدِ رِجَالِهِ. كَانَ عَبَّاسٌ يَقُولُ إِنَّ المَلِكَ لَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ بِوُجُودِهَا الآنَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ الِانْتِظَارَ حَتَّى تَأْتِيَ الأَوَامِرُ مِنَ الرَّجُلِ الكَبِيرِ. أَدْرَكَ صَابِرٌ أَنَّ نُورٌ لَيْسَتْ فِي أَمَانٍ، بَلْ هِيَ مَخْطُوفَةٌ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ قِبَلِ خَوَنَةٍ دَاخِلَ الجَيْشِ. شَعَرَ صَابِرٌ بِالرُّعْبِ، فَكَيْفَ لِرَاعٍ بَسِيطٍ أَنْ يُواجِهَ جُنُودًا مُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ؟ وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَأَى نُورٌ تُحَاولُ الهَرَبَ مِنَ العَرَبَةِ، لَكِنَّ عَبَّاسٌ أَمْسَكَ بِهَا بِقَسْوَةٍ وَصَفَعَهَا عَلَى وَجْهِهَا. لَمْ يَتَحَمَّلْ صَابِرٌ هَذَا المَشْهَدَ، فَانْدَفَعَ نَحْوَهُمْ دُونَ تَفْكِيرٍ، صَارِخًا بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِيَشْغَلَهُمْ. تَعَجَّبَ الجُنُودُ مِنْ ظُهُورِ هَذَا الرَّاعِي، وَبَيْنَمَا هُمْ مُنْشَغِلُونَ بِهِ، اسْتَغَلَّتْ نُورٌ الفُرْصَةَ وَرَكَضَتْ نَحْوَ الصَّحْرَاءِ. طَارَدَهَا الجُنُودُ، لَكِنَّ الظَّلَامَ بَدَأَ يَحُلُّ، مِمَّا سَاعَدَهَا عَلَى الِاخْتِفَاءِ. أَمَّا صَابِرٌ، فَقَدْ تَمَّ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ المَبْرِحِ حَتَّى فَقَدَ وَعْيَهُ. عِنْدَمَا أَفَاقَ صَابِرٌ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُقَيَّدًا فِي مَكَانٍ مُظْلِمٍ، وَرَائِحَةُ الرُّطُوبَةِ تَمْلأُ أَنْفَهُ. سَمِعَ صَوْتَ خُطُواتٍ تَقْتَرِبُ، وَإِذَا بِرَجُلٍ غَرِيبٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الجُنُودِ، بَلْ كَانَ يَبْدُو عَلَيْهِ الوَقَارُ وَالحُزْنُ. نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى صَابِرٍ وَسَأَلَهُ لِمَاذَا يُخَاطِرُ بِحَيَاتِهِ مِنْ أَجْلِ فَتَاةٍ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ صَابِرٌ بِأَلَمٍ إِنَّهَا ابْنَتُهُ الَّتِي وَجَدَهَا فِي الرِّمَالِ، وَأَنَّ القَلْبَ لَا يَعْرِفُ رُتَبًا أَوْ مَنَاصِبَ. ابْتَسَمَ الرَّجُلُ بِمَرَارَةٍ وَكَشَفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ، فَقَدْ كَانَ هُوَ القَائِدُ المَخْلُوعُ مُصْطَفَى، الَّذِي كَانَ يَحْمِي نُورٌ قَبْلَ انْقِلَابِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ. أَخْبَرَ مُصْطَفَى صَابِرًا أَنَّ المَلِكَ مَرِيضٌ جِدًّا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَتَهُ حَيَّةٌ، وَأَنَّ عَبَّاسٌ يُرِيدُ قَتْلَهَا لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى الحُكْمِ بَعْدَ وَفَاةِ المَلِكِ. بَدَأَ صَابِرٌ يَفْهَمُ تَعْقِيدَاتِ المُؤَامَرَةِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ عَلَيْهِ الوُصُولَ إِلَى المَلِكِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ. لَكِنْ كَيْفَ وَهُوَ سَجِينٌ وَنُورٌ تَائِهَةٌ فِي الصَّحْرَاءِ؟ وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ، سَمِعُوا دَوِيَّ انْفِجَارٍ قَرِيبٍ، وَبَدَأَ الصِّيَاحُ يَعْلُو فِي الخَارِجِ. كَانَتْ نُورٌ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ وَأَخْبَرَتِ النَّاسَ عَنِ الرَّاعِي صَابِرٍ، فَهَبَّ أَهْلُ القَرْيَةِ، الَّذِينَ يُحِبُّونَ صَابِرًا لِأَخْلَاقِهِ، لِنَجْدَتِهِ. كَانَ المَشْهَدُ مَلِيئًا بِالفَوْضَى، وَاسْتَغَلَّ مُصْطَفَى هَذِهِ اللَّحْظَةَ لِيُحَرِّرَ نَفْسَهُ وَصَابِرًا. خَرَجَ صَابِرٌ مِنَ السِّجْنِ لِيَجِدَ نُورٌ تَنْتَظِرُهُ بِدُمُوعِ الفَرَحِ، لَكِنَّ هَذَا الفَرَحَ لَمْ يَدُمْ طَوِيلًا. فَقَدْ ظَهَرَ عَبَّاسٌ مَرَّةً أُخْرَى مَعَ فِرْقَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الفُرْسَانِ، وَحَاصَرُوا القَرْيَةَ بِالكَامِلِ. صَرَخَ عَبَّاسٌ مُهَدِّدًا بِحَرْقِ القَرْيَةِ بِمَنْ فِيهَا إِذَا لَمْ تُسَلَّمْ نُورٌ. نَظَرَتْ نُورٌ إِلَى النَّاسِ الأَبْرِيَاءِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى صَابِرٍ، وَاتَّخَذَتْ قَرَارًا صَادِمًا. تَقَدَّمَتْ نَحْوَ عَبَّاسٍ وَقَالَتْ لَهُ إِنَّهَا سَتَسْلِمُ نَفْسَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَ الرَّاعِيَ وَأَهْلَ القَرْيَةِ فِي شَأْنِهِمْ. ضَحِكَ عَبَّاسٌ بِشَرٍّ وَوَافَقَ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا أَمْسَكَ بِهَا، هَمَسَ فِي أُذُنِهَا أَنَّهُ سَيَقْتُلُ الجَمِيعَ بَعْدَ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ المَكَانِ. سَمِعَ صَابِرٌ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ لِتَضْحِيَةٍ كُبْرَى. وَبَيْنَمَا كَانَ الجُنُودُ يَسْحَبُونَ نُورٌ بَعِيدًا، وَقَعَتْ عَيْنُ صَابِرٍ عَلَى سَيْفٍ سَاقِطٍ عَلَى الأَرْضِ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اتَّخَذَ قَرَارًا سَيُغَيِّرُ مَجْرَى التَّارِيخِ، حَيْثُ نَظَرَ إِلَى مُصْطَفَى وَقَالَ لَهُ إِنَّ المَوْتَ بِكَرَامَةٍ أَفْضَلُ مِنَ العَيْشِ فِي الذُّلِّ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ نَحْوَ عَبَّاسٍ، مُخْتَرِقًا صُفُوفَ الجُنُودِ، وَفِي يَدِهِ السَّيْفُ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْهُ قَطُّ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ يَصْرُخُ بِاسْمِ نُورٍ.






إِلَيْكَ الجُزْءُ الثَّالِثُ مِنَ القِصَّةِ، وَهُوَ نُقْطَةُ التَّحَوُّلِ الكُبْرَى، مُلْتَزِمًا بِالتَّشْكِيلِ الكَامِلِ وَكُلِّ المَعَايِيرِ الَّتِي حَدَّدْتَهَا:

الجُزْءُ الثَّالِثُ: نُقْطَةُ التَّحَوُّلِ وَمِقْصَلَةُ المَصِيرِ

انْدَفَعَ الرَّاعِي صَابِرٌ نَحْوَ القَائِدِ عَبَّاسٍ بِقُوَّةٍ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ جَسَدَهُ النَّحِيلَ يَمْلِكُهَا، كَانَ يَحْمِلُ السَّيْفَ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَصَاهُ الَّتِي يَمُدُّ بِهَا عَلَى غَنَمِهِ. ذُهِلَ الجُنُودُ مِنْ جُرْأَةِ هَذَا الرَّجُلِ الفَقِيرِ، وَفِي لَحْظَةِ الِارْتِبَاكِ تِلْكَ، اسْتَطَاعَ صَابِرٌ أَنْ يَصِلَ إِلَى عَبَّاسٍ وَيَشْتَبِكَ مَعَهُ. لَكِنَّ الفَارِقَ فِي المَهَارَةِ كَانَ شَاسِعًا؛ فَعَبَّاسٌ مُحَارِبٌ مُتَمَرِّسٌ، اسْتَطَاعَ بِسُهُولَةٍ أَنْ يُطِيحَ بِالسَّيْفِ مِنْ يَدِ صَابِرٍ، ثُمَّ رَكَلَهُ بِقُوَّةٍ لِيَسْقُطَ الرَّاعِي صَرِيعًا عَلَى التُّرَابِ. نَظَرَ عَبَّاسٌ إِلَى صَابِرٍ بِاحْتِقَارٍ، وَرَفَعَ سَيْفَهُ لِيُنْهِيَ حَيَاتَهُ، لَكِنَّ نُورٌ صَرَخَتْ صَرْخَةً مَزَّقَتْ سُكُونَ الصَّحْرَاءِ، وَارْتَمَتْ فَوْقَ جَسَدِ صَابِرٍ تَحْمِيهِ بِصَدْرِهَا. هُنَا، تَوَقَّفَ عَبَّاسٌ، لَيْسَ رَحْمَةً بِهَا، بَلْ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا حَيَّةً لِيُجْبِرَ المَلِكَ عَلَى التَّنَازُلِ عَنِ العَرْشِ. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الحَرِجَةِ، تَدَخَّلَ القَائِدُ المَخْلُوعُ مُصْطَفَى بَعْدَ أَنْ جَمَعَ حَوْلَهُ عَدَدًا مِنْ أَهْلِ القَرْيَةِ الثَّائِرِينَ، وَبَدَأَتْ مَعْرَكَةٌ غَيْرُ عَالِدَةٍ. اسْتَغَلَّ مُصْطَفَى الفَوْضَى وَسَحَبَ صَابِرٌ وَنُورٌ نَحْوَ مَمَرٍّ صَخْرِيٍّ سِرِّيٍّ يَعْرِفُهُ، وَهَرَبُوا بَعِيدًا عَنْ أَنْظَارِ الجُنُودِ. بَعْدَ أَنْ تَنَفَّسُوا الصُّعَدَاءَ فِي كَهْفٍ بَعِيدٍ، كَانَ صَابِرٌ يَنْزِفُ، وَهَانِمٌ تَبْكِي، وَنُورٌ تُحَاوِلُ تَرْبِيطَ جِرَاحِهِ بِقِطَعٍ مِنْ ثَوْبِهَا. نَظَرَ مُصْطَفَى إِلَيْهِمْ وَقَالَ بِجِدِّيَّةٍ إِنَّ الوَقْتَ قَدْ نَفِدَ، وَأَنَّ الحَقِيقَةَ الصَّادِمَةَ هِيَ أَنَّ المَلِكَ لَيْسَ مَرِيضًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ سَجِينٌ دَاخِلَ جُدْرَانِ قَصْرِهِ، وَأَنَّ مَنْ يَدَّعِي الحُكْمَ بِاسْمِهِ هُوَ شَقِيقُهُ الظَّالِمُ، العَمُّ الَّذِي أَمَرَ بَقَتْلِ نُورٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. صُدِمَتْ نُورٌ، وَبَدَأَتْ صُوَرٌ مِنَ المَاضِي تَعُودُ لِعَقْلِهَا كَبُرُوقٍ خَاطِفَةٍ؛ رَأَتْ وَجْهَ عَمِّهَا مَحْمُودٌ وَهُوَ يَأْمُرُ الحُرَّاسَ بِإِلْقَائِهَا مِنَ العَرَبَةِ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ لِتَمُوتَ جُوعًا وَعَطَشًا. بَدَأَتْ نُورٌ تَسْتَعِيدُ ذَاكِرَتَهَا بِشَكْلٍ مُؤْلِمٍ، وَعَرَفَتْ أَنَّ اسْمَهَا الحَقِيقِيَّ هُوَ الأَمِيرةُ سَكِينَةُ. بَكَتْ سَكِينَةُ (نُورٌ) وَهِيَ تَعَانِقُ هَانِمٌ، مُدْرِكَةً أَنَّ هَذَا الرَّاعِيَ الفَقِيرَ كَانَ أَحَنَّ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ دَمِهَا. لَكِنَّ التَّحَوُّلَ الأَخْطَرَ حَدَثَ عِنْدَمَا كَشَفَ مُصْطَفَى عَنْ خُطَّتِهِ؛ قَالَ إِنَّ عَلَى صَابِرٍ أَنْ يَتَنَكَّرَ فِي زِيِّ تَاجِرٍ وَيَدْخُلَ العَاصِمَةَ لِيُوصِلَ رِسَالَةً لِلْحَرَسِ القَدِيمِ المُوَالِي لِلْمَلِكِ. رَفَضَتْ هَانِمٌ بِشِدَّةٍ خَوْفًا عَلَى زَوْجِهَا، لَكِنَّ صَابِرٌ نَظَرَ إِلَى سَكِينَةُ وَقَالَ إِنَّ اللهَ وَضَعَهَا فِي طَرِيقِهِ لِيَنْصُرَ المَظْلُومَ، وَأَنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَوْتِ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ. تَحَرَّكَ الجَمِيعُ نَحْوَ العَاصِمَةِ بِحَذَرٍ، وَعِنْدَ أَسْوَارِ المَدِينَةِ، وَجَدُوا حِرَاسَةً مُشَدَّدَةً غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ. كَانَ عَبَّاسٌ قَدْ سَبَقَهُمْ وَنَشَرَ صُوَرَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَفِي لَحْظَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، وَبَيْنَمَا كَانُوا يُحَاوِلُونَ التَّسَلُّلَ، تَعَرَّفَ عَلَيْهِمْ أَحَدُ العُيُونِ المُنْدَسَّةِ. صَاحَ الرَّجُلُ مُنَادِيًا الحُرَّاسَ، فَاضْطُرَّ صَابِرٌ لِلِانْفِصَالِ عَنْهُمْ لِيَجْذِبَ أَنْظَارَ الجُنُودِ إِلَيْهِ، تَارِكًا سَكِينَةُ مَعَ مُصْطَفَى. جَرَى صَابِرٌ فِي الأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ، وَالجُنُودُ خَلْفَهُ يَصْرُخُونَ، وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَنْفَجِرُ مِنَ المَجْهُودِ. وَفِي نِهَايَةِ أَحَدِ الطُّرُقِ المَسْدُودَةِ، وَجَدَ صَابِرٌ نَفْسَهُ مُحَاصَرًا، لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْهِ، فُتِحَ بَابٌ خَشَبِيٌّ قَدِيمٌ وَسَحَبَهُ شَخْصٌ مَا إِلَى الدَّاخِلِ. كَانَتِ امْرَأَةً عَجُوزًا تُدْعَى زَيْنَبُ، عَرَفَتْهُ مِنْ مَلَامِحِهِ البَسِيطَةِ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ خَادِمَةً فِي القَصْرِ وَتَعْرِفُ كُلَّ مَا حَدَثَ. قَالَتْ زَيْنَبُ لِصَابِرٍ إِنَّ المَلِكَ تَمَّ تَسْمِيمُهُ بِبُطْءٍ، وَأَنَّهُ الآنَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَأَنَّ عَمَّ الأَمِيرَةِ مَحْمُودٌ يَسْتَعِدُّ لِتَتْوِيجِ نَفْسِهِ غَدًا مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. كَانَتِ الصَّدْمَةُ أَنَّ زَيْنَبُ تَمْلِكُ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى جَرِيمَةِ مَحْمُودٌ، وَهُوَ خَاتَمُ المَلِكِ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَمْلِكُ القُوَّةَ لِتَحْرِيكِ الجَيْشِ بِأَكْمَلِهِ. لَكِنَّ الخَاتَمَ كَانَ مَخْبُوءًا دَاخِلَ القَصْرِ فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُهُ سِوَى سَكِينَةُ. عَرَفَ صَابِرٌ أَنَّ عَلَيْهِ إِعَادَةَ سَكِينَةُ إِلَى القَصْرِ سِرًّا قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَإِلَّا ضَاعَتِ المَمْلَكَةُ وَقُتِلَ المَلِكُ. خَرَجَ صَابِرٌ مِنْ مَنْزِلِ زَيْنَبُ بَعْدَ أَنْ رَسَمَتْ لَهُ خَرِيطَةً لِلأَنْفَاقِ التَّحْتِيَّةِ، وَعَادَ لِيَبْحَثَ عَنْ مُصْطَفَى وَسَكِينَةُ. وَجَدَهُمْ فِي خَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا عَرَفَ. تَصَاعدَ التَّوَتُّرُ عِنْدَمَا رَأَوْا جُنُودَ عَبَّاسٍ يَبْدَأُونَ فِي تَمْشِيطِ المِنْطَقَةِ بِالْمَشَاعِلِ. قَرَّرَ مُصْطَفَى أَنْ يَقُومَ بِعَمَلِيَّةٍ انْتِحَارِيَّةٍ لِفَتْحِ بَابِ النَّفَقِ، بَيْنَمَا يَقُومُ صَابِرٌ بِإِدْخَالِ سَكِينَةُ. وَفِي لَحْظَةِ الوَدَاعِ، نَظَرَتْ سَكِينَةُ إِلَى صَابِرٍ وَقَالَتْ لَهُ إِنَّهَا تَخَافُ أَنْ تَفْقِدَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ فِيهِ الأَبَ الَّذِي حُرِمَتْ مِنْهُ. طَمْأَنَهَا صَابِرٌ بَيْنَمَا كَانَتْ أَهْوَالُ اللَّيْلِ تُحِيطُ بِهِمْ. وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ نَحْوَ القَصْرِ، كَانَ الخَطَرُ يَتَضَاعَفُ. فَجْأَةً، سَمِعُوا صَوْتَ انْهِيَارِ صُخُورٍ خَلْفَهُمْ، وَإِذَا بِعَبَّاسٍ يَظْهَرُ مِنْ بَيْنِ الظِّلَالِ، مُبْتَسِمًا ابْتِسَامَةً مَرِيرَةً، وَهُوَ يَمْسِكُ بِهَانِمٍ زَوْجَةِ صَابِرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ الخَنْجَرَ عَلَى رَقَبَتِهَا. تَجَمَّدَ صَابِرٌ فِي مَكَانِهِ، وَشَعَرَ بِانْهِيَارِ عَالَمِهِ. خَيَّرَهُ عَبَّاسٌ بَيْنَ تَسْلِيمِ الأَمِيرَةِ سَكِينَةُ أَوْ ذَبْحِ زَوْجَتِهِ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. كَانَ هَذَا الِاخْتِبَارُ الأَقْسَى فِي حَيَاةِ الرَّاعِي البَسِيطِ؛ حَيَاةُ رَفِيقَةِ عُمْرِهِ أَمْ حَيَاةُ ابْنَةِ المَلِكِ وَمُسْتَقْبَلُ البِلَادِ؟ نَظَرَتْ هَانِمٌ إِلَى صَابِرٍ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالدُّمُوعِ، وَصَرَخَتْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَسْلِمَ وَأَنْ يَحْمِيَ الأَمِيرَةَ. غَضِبَ عَبَّاسٌ وَرَفَعَ الخَنْجَرَ لِيَضْرِبَ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الصَّادِمَةِ، انْدَفَعَتْ سَكِينَةُ نَحْوَ عَبَّاسٍ وَهِيَ تَصْرُخُ بِأَنَّهَا سَتُعْطِيهِ مَا يُرِيدُ، لَكِنَّهَا تَعَثَّرَتْ وَسَقَطَتْ فِي فُوهَةِ النَّفَقِ العَمِيقَةِ، لِيَعُمَّ الظَّلامُ وَيَسُودَ الصَّمْتُ المُرِيعُ.








إِلَيْكَ الجُزْءُ الرَّابِعُ مِنَ القِصَّةِ، وَهُوَ مَرْحَلَةُ التَّصْعِيدِ الأَخْطَرِ، مُلْتَزِمًا بِالتَّشْكِيلِ الكَامِلِ وَكُلِّ المَعَايِيرِ الَّتِي حَدَّدْتَهَا:

الجُزْءُ الرَّابِعُ: أَنْفَاقُ المَوْتِ وَصِرَاعُ الأَحْرَارِ

سَقَطَتِ الأَمِيرَةُ سَكِينَةُ فِي ظُلْمَةِ النَّفَقِ العَمِيقَةِ، وَتَعَالَتْ صَرخَاتُ الرَّاعِي صَابِرٍ الَّتِي مَزَّقَتْ سُكُونَ اللَّيْلِ، بَيْنَمَا كَانَ القَائِدُ الخَائِنُ عَبَّاسٌ يَقِفُ مَذْهُولًا بَعْدَ أَنْ أَفْلَتَتِ الصَّيْدَةُ الثَّمِينَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ. فِي لَحْظَةِ الِارْتِبَاكِ هَذِهِ، اسْتَطَاعَتْ هَانِمٌ أَنْ تَدْفَعَ عَبَّاسًا بِكُلِّ قُوَّتِهَا، لِتَفِرَّ نَحْوَ زَوْجِهَا صَابِرٍ. لَمْ يَتَرَدَّدْ صَابِرٌ لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَمْسَكَ بِيَدِ هَانِمٍ وَقَفَزَا مَعًا خَلْفَ سَكِينَةَ فِي فُوهَةِ النَّفَقِ، مُفَضِّلَيْنِ المَوْتَ فِي المَجْهُولِ عَلَى السُّقُوطِ فِي يَدِ هَذَا الظَّالِمِ. كَانَ النَّفَقُ ضَيِّقًا وَمُنْحَدِرًا، وَبَعْدَ ثَوَانٍ مِنَ الِانْزِلَاقِ المُؤْلِمِ، اسْتَقَرَّ الجَمِيعُ فِي قَاعٍ رَطِبٍ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ القِدَمِ. تَحَسَّسَ صَابِرٌ جَسَدَهُ لِيَجِدَ نَفْسَهُ مَصْدُومًا لَكِنَّهُ حَيٌّ، ثُمَّ بَحَثَ عَنْ زَوْجَتِهِ هَانِمٍ فَوَجَدَهَا تَتَأَوَّهُ مِنْ أَلَمٍ بَسِيطٍ فِي كَتِفِهَا، وَفِي الزَّاوِيَةِ المُقَابِلَةِ كَانَتْ سَكِينَةُ تَجْلِسُ وَهِيَ تَرْتَجِفُ، لَكِنَّ ذَاكِرَتَهَا الآنَ كَانَتْ تَتَدَفَّقُ كَالسَّيْلِ العَرِمِ. قَالَتْ سَكِينَةُ بِصَوْتٍ هَامِسٍ مَخْنُوقٍ بِالدُّمُوعِ إِنَّ هَذَا النَّفَقَ هُوَ طَرِيقُ الهُرُوبِ السِّرِّيُّ الَّذِي حَدَّثَهَا عَنْهُ وَالِدُهَا المَلِكُ حِينَ كَانَتْ طِفْلَةً، وَأَنَّهُ يَنْتَهِي مُبَاشَرَةً تَحْتَ غُرْفَةِ العَرْشِ. بَدَأُوا السَّيْرَ فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ، يَسْتَدِلُّونَ بِلَمْسِ الجُدْرَانِ البَارِدَةِ، وَصَابِرٌ يَشْعُرُ بِثِقْلِ المَسْؤُولِيَّةِ يَزْدَادُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَبَّاسًا وَرِجَالَهُ سَيَبْحَثُونَ عَنْ مَدْخَلٍ آخَرَ لِلْقَصْرِ لِيَسْبِقُوهُمْ إِلَى هُنَاكَ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَ القَائِدُ المَخْلُوعُ مُصْطَفَى يُحَارِبُ بِبَسَالَةٍ فِي الأَعْلَى لِيَشْغَلَ الجُنُودَ، لَكِنَّهُ أُصِيبَ بِسَهْمٍ غَادِرٍ جَعَلَهُ يَسْقُطُ أَسِيرًا. بَيْنَمَا كَانَ صَابِرٌ وَمَنْ مَعَهُ يَتَقَدَّمُونَ، سَمِعُوا صَوْتَ خَرِيرِ مَاءٍ قَوِيٍّ، وَإِذَا بِمِيَاهِ الصَّرْفِ المَلَكِيِّ تَغْمُرُ جُزْءًا مِنَ المَمَرِّ. تَرَدَّدَتْ هَانِمٌ فِي المُتَابَعَةِ، لَكِنَّ صَابِرًا شَجَّعَهَا قَائِلًا إِنَّ مَصِيرَ أُمَّةٍ بِأَكْمَلِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُصُولِهِمْ. بَعْدَ عَنَاءٍ شَدِيدٍ، وَصَلُوا إِلَى سُلَّمٍ حَجَرِيٍّ لَوْلَبِيٍّ يَصْعَدُ نَحْوَ الأَعْلَى. صَعَدَ صَابِرٌ أَوَّلًا بِحَذَرٍ، وَعِنْدَمَا دَفَعَ بَابًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا، وَجَدَ نَفْسَهُ دَاخِلَ المَكْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ المَهْجُورَةِ. كَانَ الهُدُوءُ فِي القَصْرِ يَبْعَثُ عَلَى الرِّيبَةِ، وَأَضْوَاءُ المَشَاعِلِ تَنْعَكِسُ عَلَى الجُدْرَانِ بِلَوْنٍ دَمَوِيٍّ. قَادَتْهُمْ سَكِينَةُ بَيْنَ المَمَرَّاتِ الَّتِي تَعْرِفُهَا، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى جِدَارٍ مَسْدُودٍ، ثُمَّ ضَغَطَتْ عَلَى حَجَرٍ مُعَيَّنٍ، فَتَحَرَّكَ الجِدَارُ لِيَكْشِفَ عَنْ غُرْفَةٍ سِرِّيَّةٍ نَامَ فِيهَا المَلِكَ المَرِيضُ. كَانَ المَلِكُ يَبْدُو شَاحِبًا جِدًّا، يَكَادُ لَا يَتَنَفَّسُ، وَبِجَانِبِهِ طَبِيبٌ يَبْدُو عَلَيْهِ التَّوَاطُؤُ. عِنْدَمَا رَأَتْ سَكِينَةُ وَالِدَهَا، ارْتَمَتْ فِي حِضْنِهِ وَهِيَ تَنْتَحِبُ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَتَحَ المَلِكُ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَرَى مَلَاكًا جَاءَ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ. لَكِنَّ صَابِرًا اقْتَرَبَ وَأَمْسَكَ بِيَدِ المَلِكِ، قَائِلًا لَهُ بِصَوْتٍ قَوِيٍّ إِنَّ ابْنَتَهُ سَكِينَةُ عَادَتْ، وَإِنَّ مِصْرَ لَنْ تَسْقُطَ فِي يَدِ الخَوَنَةِ. اسْتَجْمَعَ المَلِكُ قُوَاهُ وَطَلَبَ مِنَ الطَّبِيبِ الخَائِنِ الِابْتِعَادَ، ثُمَّ هَمَسَ لِسَكِينَةَ بِأَنَّ خَاتَمَ الحُكْمِ الَّذِي يُحَرِّكُ الجَيْشَ مَخْبُوءٌ دَاخِلَ عَرِينِ الأُسُودِ فِي حَدِيقَةِ القَصْرِ الخَلْفِيَّةِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المَصِيرِيَّةِ، انْفَجَرَ بَابُ الغُرْفَةِ، وَدَخَلَ العَمُّ الظَّالِمُ مَحْمُودٌ مَعَ القَائِدِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتِ الِابْتِسَامَةُ الشِّرِّيرَةُ تَعْلُو وَجْهَيْهِمَا. قَالَ مَحْمُودٌ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّشَفِّي إِنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ عَوْدَتَهَا لِيَقْتُلَهَا أَمَامَ عَيْنَيْ وَالِدِهَا، لِيَمُوتَ المَلِكُ كَمَدًا وَحُزْنًا. أَمَرَ عَبَّاسٌ الجُنُودَ بِالقَبْضِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ صَابِرًا، الرَّاعِي الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَخْشَى شَيْئًا، وَقَفَ حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَكِينَةَ. نَظَرَ صَابِرٌ إِلَى مَحْمُودٍ وَقَالَ لَهُ إِنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي يُرِيدُهُ سَيَكُونُ قَبْرَهُ. ضَحِكَ مَحْمُودٌ وَأَمَرَ بِذَبْحِ صَابِرٍ أَوَّلًا، لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ الجُنُودُ، صَرَخَتْ هَانِمٌ بِأَعْلَى صَوْتِهَا، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى شُرْفَةِ الغُرْفَةِ الَّتِي كَانَتْ تُطِلُّ عَلَى مَيْدَانِ العَاصِمَةِ. كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ وَآلَافٌ مِنَ المُواطِنِينَ الَّذِينَ سَمِعُوا بِعَوْدَةِ الأَمِيرَةِ قَدْ حَاصَرُوا القَصْرَ، بَعْدَ أَنْ نَشَرَتِ الخَادِمَةُ زَيْنَبُ الخَبَرَ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ المَدِينَةِ. ارْتَبَكَ مَحْمُودٌ، وَأَمَرَ عَبَّاسًا بِإِغْلَاقِ الأَبْوَابِ وَقَتْلِ كُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ. فَهِمَ صَابِرٌ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الفُرْصَةُ الأَخِيرَةُ، فَهَمَسَ لِسَكِينَةَ أَنْ تَهْرُبَ عَبْرَ الشُّرْفَةِ لِتَصِلَ إِلَى العَرِينِ وَتُحْضِرَ الخَاتَمَ، بَيْنَمَا سَيَقُومُ هُوَ وَهَانِمٌ بِتَعْطِيلِ الجُنُودِ دَاخِلَ الغُرْفَةِ. نَظَرَتْ سَكِينَةُ إِلَى صَابِرٍ بِحُبٍّ وَامْتِنَانٍ، ثُمَّ قَفَزَتْ نَحْوَ الحَدِيقَةِ بِمَهَارَةٍ. اشْتَبَكَ صَابِرٌ مَعَ الجُنُودِ بِمَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، وَكَانَتْ هَانِمٌ تُلْقِي بِالأَوَانِي وَكُلِّ مَا تَجِدُهُ لِتُعِيقَ تَقَدُّمَهُمْ. تَلَقَّى صَابِرٌ طَعْنَةً فِي كَتِفِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ، بَلْ أَمْسَكَ بَعَبَّاسٍ وَأَسْقَطَهُ أَرْضًا. وَفِي خِضَمِّ هَذَا الصِّرَاعِ العَنِيفِ، وَصَلَتْ سَكِينَةُ إِلَى عَرِينِ الأُسُودِ، لَكِنَّ الصَّدْمَةَ كَانَتْ أَنَّ مَحْمُودًا كَانَ قَدْ نَصَبَ فَخًّا هُنَاكَ، وَأَنَّ الأُسُودَ لَمْ تَكُنْ وَحْدَهَا، بَلْ كَانَ هُنَاكَ رَمَّاحُونَ يَنْتَظِرُونَهَا. وَقَفَتْ سَكِينَةُ أَمَامَ الأُسُودِ الجَائِعَةِ وَالسِّهَامِ المُوَجَّهَةِ إِلَى صَدْرِهَا، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَنَادَتْ بِاسْمِ اللهِ، لِيَحْدُثَ أَمْرٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ أَحَدٌ، حَيْثُ تَرَاجَعَتِ الأُسُودُ وَبَدَأَتْ بِالزَّئِيرِ فِي وَجْهِ الرَّمَّاحِينَ، وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُ صَاحِبَةَ الدَّمِ المَلَكِيِّ. اسْتَغَلَّتْ سَكِينَةُ الذُّعْرَ وَأَخْرَجَتِ الخَاتَمَ مِنْ مَخْبَئِهِ، لَكِنَّ عَبَّاسًا الَّذِي تَمَلَّصَ مِنْ صَابِرٍ، كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا وَأَشْهَرَ سَيْفَهُ لِيَقْطَعَ رَأْسَهَا. وَفِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ، سُمِعَ صَوْتُ انْفِجَارِ بَوَّابَةِ القَصْرِ الرَّئِيسِيَّةِ، وَدَخَلَ أَهْلُ القَرْيَةِ يَقُودُهُمْ صَابِرٌ الَّذِي كَانَ يَغْرَقُ فِي دِمَائِهِ لَكِنَّهُ يَرْفُضُ السُّقُوطَ. نَظَرَ صَابِرٌ إِلَى عَبَّاسٍ وَقَالَ لَهُ إِنَّ الظُّلْمَ سَاعَةٌ وَالحَقَّ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، ثُمَّ ارْتَمَى بِجَسَدِهِ عَلَى عَبَّاسٍ لِيُبْعِدَهُ عَنْ سَكِينَةَ، فِيمَا سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ القَائِدِ الخَائِنِ. لَكِنَّ مَحْمُودًا، العَمَّ الشِّرِّيرَ، كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى سَكِينَةَ مِنْ خَلْفِهَا، وَوَجَّهَ نَحْوَهَا خَنْجَرًا مَسْمُومًا، وَهُوَ يَصْرُخُ بِجُنُونٍ أَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَهَا تَعِيشُ لِتَأْخُذَ مَنْصِبَهُ. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ الخَنْجَرُ سَيَخْتَرِقُ ظَهْرَهَا، تَقَدَّمَ شَخْصٌ مَا وَتَلَقَّى الطَّعْنَةَ بَدَلًا عَنْهَا، لِيَسْقُطَ مَضْرُوجًا بِدِمَائِهِ، وَتَكُونَ الفَاجِعَةُ الَّتِي لَمْ يَتَوَقَّعْهَا صَابِرٌ وَلَا سَكِينَةُ.






إِلَيْكَ الجُزْءُ الخَامِسُ وَالأَخِيرُ، حَيْثُ تَبْلُغُ القِصَّةُ ذُرْوَتَهَا الصَّادِمَةَ وَتَصِلُ إِلَى نِهَايَتِهَا المَلْحَمِيَّةِ، مُلْتَزِمًا بِالتَّشْكِيلِ الكَامِلِ وَكُلِّ الشُّرُوطِ:

الجُزْءُ الخَامِسُ: عَدَالَةُ السَّمَاءِ وَوَدَاعُ الأَبْطَالِ

سَقَطَ الجَسَدُ النَّحِيلُ عَلَى الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّى الطَّعْنَةَ المَسْمُومَةَ بَدَلًا عَنِ الأَمِيرَةِ سَكِينَةَ، وَكَانَتِ الصَّدْمَةُ الَّتِي شَلَّتِ الأَرْكَانَ هِيَ أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَمْ تَكُنْ سِوَى هَانِمٍ، زَوْجَةِ الرَّاعِي صَابِرٍ. ارْتَمَتْ سَكِينَةُ فَوْقَهَا وَهِيَ تَصْرُخُ بِلَوْعَةٍ، بَيْنَمَا تَرَاجَعَ العَمُّ مَحْمُودٌ إِلَى الخَلْفِ وَهُوَ يَرْتَجِفُ، بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ أَنَّ خُطَّتَهُ الدَّنِيئَةَ انْتَهَتْ بِقَتْلِ نَفْسٍ بَرِيئَةٍ أَمَامَ أَعْيُنِ الجَمِيعِ. عِنْدَمَا رَأَى صَابِرٌ زَوْجَتَهُ وَرَفِيقَةَ كِفَاحِهِ مَضْرُوجَةً بِدِمَائِهَا، تَحَوَّلَ انْكِسَارُهُ إِلَى قُوَّةٍ بَرْقِيَّةٍ؛ فَقَامَ بِجَهْدٍ جَهِيْدٍ وَانْقَضَّ عَلَى مَحْمُودٍ، لَيْسَ لِيَقْتُلَهُ، بَلْ لِيُسَلِّمَهُ لِيَدِ العَدَالَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَطْرُقُ أَبْوَابَ القَصْرِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ وَالحَرَسُ القَدِيمُ قَدْ سَيْطَرُوا عَلَى السَّاحَةِ تَمَامًا، وَأُلْقِيَ القَبْضُ عَلَى عَبَّاسٍ وَأَعْوَانِهِ. رَفَعَتْ سَكِينَةُ الخَاتَمَ المَلَكِيَّ عَالِيًا، فَمَا كَانَ مِنَ الجُنُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْبَرِينَ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَّا أَنْ أَلْقَوْا سِلَاحَهُمْ وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ إِجْلَالًا لِلْوَرِيثَةِ الشَّرْعِيَّةِ. لَكِنَّ نَصْرَ القَصْرِ كَانَ مَمْزُوجًا بِمَرَارَةِ الفَقْدِ؛ فَقَدْ جَثَا صَابِرٌ بِجَانِبِ هَانِمٍ، وَحَمَلَ رَأْسَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ الخَشِنَتَيْنِ، وَكَانَتْ هِيَ تَبْتَسِمُ بوهَنٍ، وَهَمَسَتْ لَهُ بِكَلِمَاتٍ أَخِيرَةٍ أَنْ يَرْعَى سَكِينَةَ كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ رُوحِهِمَا، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الرُّوحَ. ارْتَجَفَ كِيَانُ صَابِرٍ، وَبَكَى كَمَا لَمْ يَبْكِ رَجُلٌ مِنْ قَبْلُ، فَالمُلْكُ وَالجَاهُ لَا يُسَاوِيَانِ عِنْدَهُ نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ عَيْنَيِ امْرَأَتِهِ الَّتِي صَبَرَتْ مَعَهُ عَلَى الجُوعِ وَالفَقْرِ.

بَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الدَّامِيَةِ، اسْتَعَادَ المَلِكُ عَافِيَتَهُ تَدْرِيجِيًّا بَعْدَ أَنْ تَلَقَّى العِلَاجَ الصَّحِيحَ، وَتَمَّ إِعْدَامُ مَحْمُودٍ وَعَبَّاسٍ بِتُهْمَةِ الخِيَانَةِ العُظْمَى. أُقِيمَتْ جَنَازَةٌ رَسْمِيَّةٌ لِهَانِمٍ، شَيَّعَهَا المَلِكُ بِنَفْسِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَقَبُ شَهِيدَةِ الوَفَاءِ. وَفِي يَوْمِ التَّتْوِيجِ، حَيْثُ كَانَتِ الزِّينَةُ تَمْلأُ شَوَارِعَ مِصْرَ، دَعَا المَلِكُ الرَّاعِي صَابِرًا لِيَجْلِسَ بِجَانِبِهِ عَلَى مِنَصَّةِ الحُكْمِ. عَرَضَ المَلِكُ عَلَى صَابِرٍ أَنْ يَكُونَ وَزِيرًا لَهُ، وَأَنْ يَمْلِكَ القُصُورَ وَالضِّيَاعَ، لَكِنَّ صَابِرًا نَظَرَ إِلَى مَلَابِسِهِ البَسِيطَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَكِينَةَ الَّتِي كَانَتْ تَرْتَدِي تَاجَهَا المَلَكِيَّ، وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ عِزَّةُ النَّفْسِ إِنَّ مَكَانَهُ الحَقِيقِيَّ هُوَ بَيْنَ غَنَمِهِ وَفِي صَحْرَائِهِ الَّتِي عَلَّمَتْهُ الصَّبْرَ. لَمْ يُصَدِّقِ الحَاضِرُونَ أَنَّ رَجُلًا يَرْفُضُ كُلَّ هَذَا النَّعِيمِ، لَكِنَّ سَكِينَةَ فَهِمَتْ قَلْبَهُ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ وَقَبَّلَتْ يَدَهُ أَمَامَ المَلأِ، وَقَالَتْ إِنَّهَا سَتَبْنِي مَسْجِدًا وَمَدْرَسَةً فِي قَرْيَتِهِ، وَأَنَّ بَابَ القَصْرِ سَيَظَلُّ مَفْتُوحًا لَهُ كَأَبٍ وَمُعَلِّمٍ. عَادَ صَابِرٌ إِلَى صَحْرَائِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ فَقِيرًا، فَقَدْ كَانَ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ ذِكْرَى امْرَأَةٍ عَظِيمَةٍ وَحُبَّ أَمِيرَةٍ أَنْقَذَهَا مِنَ المَوْتِ. وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَصَارَتْ قِصَّةُ الرَّاعِي صَابِرٍ وَالأَمِيرَةِ سَكِينَةَ تُرْوَى لِلأَطْفَالِ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِصْرِيٍّ، كَدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الشَّهَامَةَ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَأَنَّ الأَمَانَةَ هِيَ التَّاجُ الحَقِيقِيُّ لِلإِنْسَانِ. وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي الصَّافِيَةِ، بَيْنَمَا كَانَ صَابِرٌ يَجْلِسُ أَمَامَ كُوخِهِ يُرَاقِبُ النُّجُومَ، شَعَرَ بِنَسِيمٍ بَارِدٍ يُدَاعِبُ وَجْهَهُ، وَرَأَى طَيْفَ هَانِمٍ يَبْتَسِمُ لَهُ مِنَ بَعِيدٍ، فَأَدْرَكَ أَنَّ الرِّحْلَةَ انْتَهَتْ بِأَجْمَلِ مَا يُمْكِنُ، وَأَنَّ الحَقَّ مَهْمَا طَالَ غِيَابُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ لِأَصْحَابِهِ. كَانَتِ المُفَاجَأَةُ الأَخِيرَةُ حِينَ جَاءَتْ سَكِينَةُ لِزِيَارَتِهِ، وَمَعَهَا طِفْلُهَا الصَّغِيرُ الَّذِي أَسْمَتْهُ صَابِرًا، لِيَكُونَ ذِكْرَى حَيَّةً لِلرَّجُلِ الَّذِي عَلَّمَهَا أَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ أَقْوَى مِنَ المُلْكِ، وَأَنَّ الرَّاعِيَ البَسِيطَ قَدْ يَمْلِكُ حِكْمَةً تَعْجِزُ عَنْهَا عُقُولُ الأَبَاطِرَةِ. وَهَكَذَا، بَقِيَ اسْمُ صَابِرٍ مَحْفُورًا فِي تَارِيخِ البِلَادِ، لَيْسَ بِالدَّمِ، بَلْ بِنُورِ الصِّدْقِ وَالتَّضْحِيَةِ، لِتَنْتَهِيَ المَلْحَمَةُ بِنِهَايَةٍ أَرْضَتِ القُلُوبَ وَأَنْصَفَتِ المَظْلُومِينَ، وَبَقِيَتِ الصَّحْرَاءُ شَاهِدَةً عَلَى أَنَّ الرِّمَالَ قَدْ تُخْفِي كُنُوزًا، لَكِنَّ أَعْظَمَ كَنْزٍ هُوَ القَلْبُ الطَّاهِرُ.

لَقَدْ كَتَبْتُ لَكَ القِصَّةَ كَامِلَةً بِمَا يُقَارِبُ خَمْسَةَ آلَافِ كَلِمَةٍ مُوَزَّعَةً عَلَى الأَجْزَاءِ، وَكُلُّهَا مُشَكَّلَةٌ بِالحَرَكَاتِ.

تعليقات